كان زوجي علي كل يوم وفي ذلك اليوم حين فقدت الوعي، حملني إلى المستشفى

لمحة نيوز

كان زوجي علي كل يوم وفي ذلك اليوم حين فقدت الوعي حملني إلى المستشفى مدعيا أنني سقطت عن الدرج. لكنه تجمد مكانه عندما قال الطبيب
استيقظت على رائحة المطهرات.
كانت دائما أول ما ألاحظه في المستشفيات الرائحة الحادة النظيفة تلك التي تحاول إخفاء الألم والمرض لكنها لا تنجح تماما.
ثم جاء الضوء.
قاس أبيض يخترق جفني كحد السكين ويشعل في رأسي صداعا نابضا. حاولت تحريك رأسي فاحتج عنقي بألم حارق. ذراعي كانت تلسع أضلعي تشعر كأنها شظايا زجاج وكل نفس يخرج مني كان مثل إطار سيارة مثقوب.
للحظة لم أعرف أين أنا ولا كيف وصلت إلى هنا.
ثم سمعت صوته.
ها ها أنت. استيقظت أخيرا.
إيثان.
زوجي انحنى نحوي يحتل كل ما تبقى من عالمي. ابتسامته كانت لطيفة قلقة تلك الابتسامة التي كان الغرباء يصفونها دوما بأنها ابتسامة ممثل وسيم. شعره الداكن بدا وكأنه فوضوي بشكل محسوب وقميصه مجعد قليلا كأنه لم يفارقني طوال الليل.
أمسك يدي.
فصرخت عظامي في صمت.
أخفتني حقا همس وهو يمرر إبهامه على ظهر كفي. تعرضت لسقوط سيئ عن الدرج لكنك بخير الآن. أنت بخير.
نظراته كانت تقول حادث. سوء حظ. زوجة غير حذرة.
كل كدمة كل ضلع مكسور كل ليلة نمت فيها في غرفة الضيوف لأن السرير كان يشبه رائحة غضبه كل ذلك عاد يصرخ في أذني.
لم أبك.
لم أرتجف.
راقبته فقط.
وجهه. كتفاه. طريقة انشداد فكه كلما صدر صوت قوي من أجهزة المراقبة. ذلك اللمعان الخاطف في عينيه كلما سمع وقع خطوات في الممر.
شروخ صغيرة في أدائه المتقن.
قضيت عشر سنوات أتعلم كيف أراها. العالم كان يراه رجلا محبوبا رجلا ناجحا جارا كريما يساعد الجميع ويحضر الطعام للوافدين الجدد إلى الحي.
أما أنا فكنت أعرف الحقيقة.
هل تستطيعين إخباري باسمك جاء صوت آخر.
تحول نظري بصعوبة.
كان الطبيب يقف عند طرف السرير في أواخر الأربعينات عيناه تحملان طيبة حذرة ويمسك بلوح طبي كما

لو كان درعا. كانت الممرضة بجانبه تراقب ملامحي لا شاشات الأجهزة.
أنا كلير مورغان قلت بصوت اختنق في منتصف الطريق. عمري خمسة وثلاثون عاما.
أومأ الطبيب برأسه. جيد. أنا الدكتور لويس. أنت في مستشفى سانت آن. فقدت الوعي بعد سقوط عن الدرج كما قال زوجك.
نظر من وجهي إلى إيثان ثم عاد إلي.
نبرته كانت حيادية. حيادية أكثر من اللازم.
كيف تشعرين سأل.
انفلتت الكلمات من فمي قبل أن أفكر
كأن شاحنة دهستني.
ضحك إيثان بصوت أعلى مما يجب.
إنها تمزح دائما حتى في أصعب الأوقات. هذا ما أحبه فيها.
شد قبضته على يدي.
رسالة واضحة احذري.
والحقيقة التي حاول إيثان إخفاءها لعشر سنوات كانت على وشك أن تنفجر في وجهه.
التالي
دفعني عن السلم فدفعته إلى الهاوية
اقترب الدكتور لويس من السرير ورفع الغطاء برفق وكانت أطراف أصابعه تحمل من اللين ما لم أعرفه منذ سنوات 
رفع الغطاء عني برفق لم أعرفه منذ سنوات طويلة سنوات لم تمسس فيها جلدي إلا اللمسات الخشنة القاسية التي تخفي أكثر مما تظهر وتوجع أكثر مما تطمئن. كانت أطراف أصابعه هادئة وفيها لين لم أعتد أن يمنحني أحد مثله فأحسست للحظة أنني امرأة أخرى امرأة لم تكسر من الداخل بعد.
تجهم وجهه وهو يطالع الكدمات والضمادات ثم قال بنبرة مهنية تخفي خلفها قلقا حقيقيا
لديك كسر في عظم الزند بالذراع اليسرى وثلاثة أضلاع مكسورة وارتجاج متوسط في الرأس. وهناك كدمات أخرى بعضها قديم وبعضها حديث على الجذع والفخذين.
شعرت بإيثان يتصلب إلى جانبي جمرة غضب تتجسد في هيئة رجل يتظاهر بالقلق. كان كتلة من العنف المكمم يختبئ خلف روح لطالما أقنع الآخرين بأنها رقيقة. ابتسم بتوتر مسرعا في الرد كأن الحقيقة تلاحقه
كما قلت لك يا دكتور هي دائما قليلة الانتباه. حذرتها ألف مرة أن تنتبه عندما تنزل الدرج. نحن نفكر في تركيب حاجز إضافي منذ مدة.
قلت بهدوء لا يشبهني
هناك
حاجز بالفعل. وأنا أنظفه كل أسبوع.
وعلى الفور غاص إبهامه في جلد يدي. ضغط بخفة مفتعلة لكنها كانت تحمل تهديدا أعرفه جيدا تذكري ما يجب أن تقولي وما يجب ألا يخرج من فمك.
رفع الدكتور لويس عينيه نحوي نظرة طويلة صامتة كأنها تحمل سؤالا ظل مؤجلا لسنوات. لم يلتفت إلى إيثان بل ركز علي وحدي. ثم قال بنبرة منخفضة
كلير هل سقطت حقا
كان سؤالا بسيطا من سبع كلمات.
لكنه كان قادرا على تغيير حياتي بأكملها.
ترددت لحظة ثم أومأت وقلت هامسة
نعم سقطت.
تنفس إيثان الصعداء فورا وخف ضغطه على يدي قليلا كأن الخطر مر بجانبه ولم يصبه.
لكن الطبيب لم يتحرك من مكانه. لم يكتب شيئا. لم يبتسم. بل طرح السؤال الثاني.
السؤال الذي يغير المصائر
وهل ساعدك أحد على السقوط
توقف الزمن.
تجمد الهواء حولي.
حتى قلبي توقف عن الحركة لحظة قبل أن يعود ليضرب في صدري كطبول الحرب.
سمعت أنفاس إيثان تتغير. شعرت بجسده المشدود. أدركت أنه يعرف يعرف أنني وصلت للحظة التي انتظرتها طويلا. اللحظة التي بنيت عليها كل خططي في الخفاء.
بلعت ريقي وابتلعت خوف سنوات. ثم قلت بصوت مبحوح
نعم لقد فعل.
التفت نحوه ببطء مواجهة عينيه مباشرة لأول مرة منذ زمن بعيد.
لقد دفعني.
انهارت ابتسامته في لحظة. ذابت كما يذوب الثلج حين تضربه الشمس. قال بصوت مختنق
ماذا تقولين
ولأول مرة منذ سنوات رأيت الخوف في عينيه.
كان خوفا حقيقيا.
عاجزا.
بلا قناع ولا كبرياء.
كنت ممددة على السرير أضلعي تشتعل ألما ذراعي تنبض كأن العظم يصرخ رأسي يدور ولكن كان هناك شيء قوي داخلي. شيء لم أشعر به من قبل.
لم يكن خوفا.
كان قوة.
ولو عدت عشر سنوات للوراء لربما أحببت هذا الرجل. أحببناه جميعا في بداياته. التقيته في عيد ميلاد إحدى الصديقات حفلة تضيئها الفوانيس الصغيرة وتفوح منها روائح الأجبان باهظة الثمن. كنت في الخامسة والعشرين سعيدة بترقيتي الجديدة أشعر
أن العالم أخيرا يفتح ذراعيه لي.
دخل إيثان متأخرا يوزع الاعتذارات بابتسامته نصف المنحنية تلك الابتسامة التي جعلت الجميع يلتفت إليه. كان يحمل باقة ورد وزجاجة نبيذ بدا اسمها معقدا بما يكفي لأتظاهر أنني فهمته.
سألني
هل المقعد شاغر
فقلت ضاحكة
أصبح شاغرا الآن.
ضحك ورد بثقة ساحرة
أنا إيثان.
وأنا كلير.
تحدثنا طوال الليل. كان بارعا في الإصغاء في طرح الأسئلة في جعل من أمامه يشعر بأنه مركز الكون. كان يتذكر التفاصيل الصغيرة اسم كلبي عمل والدي كرهي للتوت باستثناء فطائر التوت الدافئة.
كان ناجحا بدأ مشروعا جديدا لتحسين المؤسسات لم أفهم المصطلح لكنه نطقه بطريقة جعلته يبدو مهما جدا.
في موعدنا الثالث حضر لعشاء في شقتي الصغيرة. طبخ جلب نبيذا فاخرا ملأ المكان بالضحك. قلت له ممازحة
يمكنني الاعتياد على هذا.
فرد مبتسما
إذن اعتادي.
ومن تلك الليلة بدأت دوامة الحب السريع ذلك النوع الذي لا تشعر بأنك تركض فيه وحدك بل تركضين معه نحو مستقبل مشرق أو هكذا تخيلت.
ولمدة من الزمن بدا أنه يفي بكل وعوده.
إلى أن تغير.
ولم يبدأ التغير بالصراخ أو الضرب بل بجملة صغيرة تشبه وخز الإبرة
هل ستخرجين بهذا اللباس
ثم تعليقات عن القراءة عن صديقتي عن اختياراتي.
ثم بدأت أتغير دون أن أدرك.
حين نطقت بالحقيقة أمام الدكتور لويس بدا وكأن شيئا انكسر في الهواء نفسه. انفتح الباب واندفع الطاقم الطبي إلى الداخل وأخرج إيثان مكبلا بعيون تشتعل غضبا مكتوما. وما إن غادر حتى عم الصمت الغرفة صمت يشبه مساحة واسعة تمنح للمرء بعد سنوات من الضيق صمت يتيح للنفس أن يعود ببطء كأنه يتعلم التنفس من جديد.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات لا يكون فيها ظله فوقي لا يراقب كلماتي ولا يقرأ وجهي ليعرف هل سيعاقب أم سيبتسم. وحدي. الهدوء المرتبك جعلني أشعر أنني أسقط من مكان عال لكن السقوط هذه المرة لم يكن سقوطا نحو الخوف
بل سقوطا نحو الحقيقة.
بدأت الأسئلة الرسمية أسئلة لا بد أن تطرح لكنها تعيد فتح جروح قديمة
هل سبق أن هددك

تم نسخ الرابط