كان زوجي علي كل يوم وفي ذلك اليوم حين فقدت الوعي، حملني إلى المستشفى
هل ضربك من
قبل
هل تشعرين بالأمان معه
وكانت الإجابات تخرج مني كأنها تنزع من قاع صدري
نعم.
كثيرا.
أبدا.
لم أكن أبكي وأنا أقولها. كان هناك شيء داخلي أكثر صلابة من الدموع شيء يشبه قطعة حديد ساخن تشكلت ببطء تحت كل ضربة تحت كل إهانة تحت كل ليلة أخفي فيها وجهي في الوسادة كي لا يسمع أحد بكائي.
دخلت العاملة الاجتماعية تلتها الشرطية ثم المحققة ثم الممرضة التي كانت تسجل الملاحظات بإيقاع ثابت. كنت أشعر أنني أتحول من امرأة تسقط من الدرج إلى ضحية ثم إلى شاهدة ثم إلى طرف في قضية. وكل انتقال من هذه المراحل كان يسحب خيطا من سلطة إيثان ويعيده إلي.
لكن اللحظة الأصعب لم تكن تلك التي ذكرت فيها الإصابات بل حين عادوا به إلي مكبل اليدين. نظر إلي وكأنه
لا يعرفني أو كأنه أدرك فجأة أن الوحش الذي رباه داخل البيت خرج من قفصه ولم يعد يطيعه. صرخ بصوت لم أسمعه منه من قبل صوت ليس غاضبا بل مذعورا
أنت لا شيء من دوني! أنت أنت لن تستطيعي العيش!
كنت أتوقع أن أرتعش.
لكن شيئا لم يتحرك بداخلي.
كأن خوف السنين تبخر.
كأنني خرجت من جلدي القديم.
أخرجوه وأغلق الباب خلفه.
هدأت الغرفة.
هدأت أضلعي رغم الألم.
هدأ رأسي رغم الارتجاج.
وهدأت أنا كأنني وصلت أخيرا إلى نهاية الممر الطويل الذي كنت أركض فيه بلا توقف.
لم أشعر بالسعادة حين خرجت من المستشفى. لم يكن التحرر صاخبا كما تتوقع الروايات ولا مليئا بابتسامات الانتصار. كان أشبه بلحظة يلتفت فيها الإنسان حوله بعد حادث عنيف ويتساءل
هل ما زلت واقفة
هل ما زلت أنا
ما الذي تهشم في الداخل
وما الذي ما زال سليما
انتقلت إلى شقتي السرية تلك التي جهزتها منذ سنة كاملة عندما أدركت أن اللعبة بيني وبين إيثان لن تنتهي بالسلام. كانت شقة صغيرة باردة بأثاث متواضع تماما لا يحمل أي ذكرى منه أو عنه. مقعد بسيط طاولة مستعملة نافذة ضيقة ونبتة ذابلة كنت أظن أنها ستموت سريعا لكنها قاومت مثلما قاومت أنا.
جلست هناك في تلك العزلة الجديدة أراقب الضوء
كنت قد جمعت أدلة كثيرة قبل السقوط
صور.
رسائل.
حسابات سرية.
تسجيلات صوتية لاعتذاراته وتهديداته وانفعالاته.
شهادات من صديقة تعمل في الامتثال المالي.
وثائق من محامية لا يعرف عنها شيئا.
كنت زوجته على الورق ولكنني كنت في الظل امرأة أخرى تماما امرأة تبني مخرجا تحفر نفقا لا يرى أحد مدخله.
وفي كل جلسة تحقيق كنت أقدم قطعة من الحقيقة قطعة تسحب منه طبقة من التحكم. طبقة بعد طبقة كقشرة بصل تتساقط حتى يبقى اللب ضعيفا هشا بلا مظهر ولا قناع.
خسر عمله.
خسر شركاءه.
خسر سمعته في السوق.
خسر نفوذه الاجتماعي.
لكنه لم يكن يعرف أن أكبر خسارة لم تكن تلك.
أكبر خسارة كانت السيطرة علي.
كان يتصل.
يتوسل.
يغضب.
يهدد.
ثم يعود حنونا.
ثم يعود غاضبا.
يعيد كل الأدوار التي أتقنها لسنوات.
لكنني لم أعد ذاك الشخص الذي كان ينهار مع كل نبرة من نبراته.
لم أعد أرتجف.
لم أعد أستسلم.
لم أعد أعود.
انضممت إلى مجموعة دعم للناجيات
عدت إلى عملي.
بنيت صداقاتي من جديد.
واجهت نفسي في لحظات انهيار صامتة.
بكيت حين احتجت البكاء.
ونهضت حين استطعت النهوض.
وأدركت للمرة الأولى بوضوح كامل أنني لم أكن يوما المرأة الضعيفة التي تصورها لنفسه.
بل كنت عقلا يعمل بصمت.
ومهندسة تبني جسر الهروب خطوة بخطوة.
وليلة دفعني فيها إلى السقوط كان هو في الحقيقة يسقط يسقط في الفخ الذي صممته له بدقة وصبر وذكاء.
اليوم لا أسأل عن أخباره.
لا أبحث عن مصيره.
لا أهتم بما خسره بعدي.
أعد قهوتي كل صباح.
أفتح النافذة وأترك الهواء يملأ صدري.
أقرأ كتابا.
أضحك مع هانا.
أسقي النبتة التي أصرت بطريقة لا أفهمها على أن تعيش.
وأتذكر كل يوم حقيقة واحدة
الخوف ليس ضعفا.
الخوف نسخة غير مكتملة من القوة.
لقد ظن أنه الصياد.
لكنني كنت منذ اللحظة الأولى
المهندسة.
وهذه ليست مجرد نجاة.
هذه نهاية معركة وبداية حياة.
النهاية.