سيدي، والدتك على قيد الحياة! رأيتها في المصحة! صرخ الموظف عند رؤية الصورة
سيدي والدتك على قيد الحياة! رأيتها في المصحة! صرخ الموظف عند رؤية الصورة في القصر
لم يكن قصر آل مونتييل يعرف الفوضى يوما كل حركة فيه محسوبة وكل همسة لها وزن.
لكن ذلك الصباح تحطم النظام كله بصوت واحد قصم ظهر الهدوء.
صرخت دولوريس الخادمة القديمة وهي ترتجف كمن يسحب من بين نارين
سيدي والدتك على قيد الحياة! رأيتها بعيوني أنا في المصحة!
ارتد الصدى في أرجاء القاعة الواسعة كأنه هزيمة تعلن في ميدان حرب.
تجمد هيكتور مونتييل قرب البيانو الكبير وانزلقت الورقة من يده إلى الأرض دون أن يشعر. بدا كمن نزع عن عالمه قسرا وترك مع سؤال واحد لا يصدق
هل يمكن أن تكون أمه التي دفنها بيديه حية
استدار ببطء وكأن كل ثانية تمر تسحب معه جزءا من روحه.
قال بصوت واهن
أعيدي ما قلت يا دولوريس رجاء.
ابتلعت الخادمة ريقها بصعوبة. ارتجفت شفتاها قبل أن تتكلم لكنها تكلمت
أقسم يا سيدي المرأة التي في الصورة فوق البيانو رأيتها في مصحة سان ميغيل بوضوح الشمس.
رفع هيكتور عينيه إلى اللوحة.
هناك كانت أمه دونا خوسيفا بابتسامتها الهادئة وقلادتها الذهبية التي لا تفارق عنقها.
القلادة التي أهداها لها في عيد ميلادها الأخير.
القلادة التي دفنت معها.
ارتعش قلبه كطائر وقع
واصلت دولوريس وكأن الكلمات تحرق حلقها كلما خرجت
كنت أعمل في المصحة خمس سنوات أرتب غرف المرضى وأقدم لهم الماء. هي كانت هناك. كانت تنادي اسمك كل ليلة. تقول ابني يعزف البيانو وسيأتي.
هنا وكأن القدر يراقب اللحظة ظهرت خيمينا زوجة هيكتور تن descend الدرج بخطوات متأنية. كانت مرتدية ثوبا أبيض أنيقا وعطرها يسبح في الجو لكن عينيها لم تعرفا الهدوء.
نظرة واحدة منها قالت كل شيء
خوف.
رفض.
وتوتر يريد أن يدفن أي حقيقة قبل أن تقال.
سألت بصوت ناعم لكنه مسموم بالسيطرة
ما الذي يجري هنا
لم يجبها هيكتور.
ظل يحدق في دولوريس كأن الحقيقة لا تفهم إلا من عينيها.
خفضت الخادمة رأسها لكن كلماتها لم تفقد قوتها
لم أأت لأحدث مشكلة لكن ضميري لم يعد يحتمل. المرأة في المصحة هي والدتك يا سيدي.
رسمت خيمينا ابتسامة مصطنعة ثم قالت ببرود
هيكتور أرجوك. آلاف العجائز يشبهن بعضهن. الخادمة مسكينة تتأثر بسهولة.
لكن دولوريس رفعت رأسها فجأة.
عيناها اشتعلتا بجرأة لم يعرفها أحد فيها
لست مسكينة يا سيدتي. ولا أقول هذيانا. والدتك ليست مجرد امرأة تشبهها إنها هي. نفس العينين نفس الصوت نفس القلادة!
تصلب وجه خيمينا.
لكن هيكتور كان في عالم آخر.
كان يتذكر.
يتذكر
وتابوتا لم يفتح.
وطبيبا جاء من مكان مجهول واختفى بعد ذلك.
قال بصوت بالكاد يسمع
ست سنوات ست سنوات وأنا صدقت أنها رحلت
لمحت خيمينا الشرارة في عينيه فاقتربت بسرعة ووضعت يدها على كتفه
لا تبدأ بهذا يا هيكتور. لا تسمح لغريبة أن تزرع في قلبك الشك. أمك ماتت وانتهى الأمر.
لكن هيكتور لم يسمعها.
كان يسمع جملة واحدة فقط تكررها ذاكرته بإلحاح موجع
ابني يعزف البيانو وسيأتي.
هنا تقدمت دولوريس خطوة أخيرة.
خطوة كسرت آخر جدار بين الحقيقة والكذب.
قالت بصوت متهدج لكنها واثقة
سيدي والدتك لم تمت. ربما أراد أحدهم دفنها لكن الله لم يسمح بذلك. إنها هناك تنتظر.
اهتز صدر هيكتور بعنف. شعر وكأن الهواء صار ثقيلا لا يحتمل.
عندها فقد السيطرة.
صرخ بصوت أجش
كفى! اخرجا كلاكما!
انحنت دولوريس وقد انهمرت دموعها لكنها شعرت بالراحة لأنها قالت الحقيقة أخيرا.
أما خيمينا فقد تجمد وجهها لحظة ثم خرجت دون كلمة وعيونها تشتعل بخوف لم تستطع إخفاءه.
تلاشت خطواتهما
وبقي هو وحده في القاعة.
تقدم نحو اللوحة.
مرر أصابعه على وجه أمه المرسوم
تساءل بصوت مرتجف
أمي هل حقا لم ترحلي
لكن اللوحة لم تجب.
الذي أجاب كان داخل قلبه.
إحساس صغير حاد مؤلم وصدق في الوقت
الحقيقة لا تموت حتى لو دفنت.
ظل هيكتور واقفا أمام اللوحة كمن يحدق في بوابة غامضة تناديه من عالم آخر.
لم يكن الأمر مجرد كلمات خادمة بسيطة كان شيئا أعمق.
شعور داخلي ظل يطارده لسنوات أن شيء ما في وفاة أمه لم يكن طبيعيا.
جلس على مقعد البيانو المكان الذي كانت تجلس فيه بجانبه كل مساء تعدل له وضع أصابعه وتبتسم حين يخطئ.
مرر أصابعه فوق المفاتيح وخرج صوت خافت مرتجف كأنه صدى ذكرى قديمة.
لكن ذلك الصوت لم يكن وحده.
بينما كان يعزف لحنا لا يدرك كيف بدأ ولا من أين جاء انفتحت أبواب الماضي بعنف داخله.
رأى مشهد دفن بلا وداع.
ورأى طبيبا غريبا رفض السماح له برؤية جسد والدته بحجة أن ملامحها تغيرت.
ورأى توقيعا أجبره والده الراحل على وضعه يوم الدفن
كل شيء كان واضحا فجأة.
واضح حد الصدمة.
نهض فجأة.
الهدوء صار خانقا.
القصر بدا له أصغر جدرانه أقرب الهواء أثقل.
كان هناك شيء واحد فقط ممكن فعله.
الذهاب إلى المصحة.
في المساء كانت خيمينا تنتظره في غرفة الطعام تفرك يديها توترا لكنها تضع ابتسامة مصطنعة على وجهها.
قالت وهي تحاول التحكم بصوتها
سمعت أنك طلبت تجهيز السيارة. إلى أين ستذهب
أجاب بلا التفات
سان ميغيل.
تصلب وجهها كما لو تلقت صفعة.
ثم اقتربت
لن تفعل هذا! أمي قالت لي قبل موتها إن الهلاوس تبدأ بالصور! لا