حكاية الشعر الأخير… وحكاية الروح التي لم تنكسر

لمحة نيوز

حكاية الشعر الأخير وحكاية الروح التي لم تنكسر لم يكن التاسع عشر من أكتوبر لعام 2019 يوما عابرا في حياة تلك الأم الشابة كان يوما يحمل من الهدوء ما يضلل العين ومن الثقل ما يرهق القلب. بدا يوما عاديا في ظاهره ليس فيه موعد فحص ولا نتيجة تحليل ولا تقرير جديد يضاف إلى ملف الطفلة الممتلئ حتى حافته. ومع ذلك كان اليوم مختلفا مؤلما بطريقة ناعمة وحنونا بطريقة موجعة وغريبا لدرجة أن الأم نفسها لم تعرف كيف تمسكه بالكلمات.
فالحدث الذي جعل هذا اليوم منحوتا في ذاكرتها لم يكن سوى قصة شعر مجرد قصة شعر.
لكن البساطة الظاهرة تلك كانت مثل ورقة رقيقة تخفي وراءها جبالا من المعاني.
تلك الخصلات التي تقص في دقائق عادة بدافع التجديد أو الرغبة في تغيير الشكل تحولت بين يدي تلك الأم إلى فعل يرتجف له القلب. لم تكن تشارلي طفلتها ذات الوجه المستدير وعيني الهدوء الغامض تخوض معركة بسيطة. كانت تعيش رحلة علاجية لا يفهمها إلا من سار في أروقتها الباردة وانتظر جواب الأطباء بشغف منكسر وراقب سقوط الأيام كما تسقط خصل الشعر.
ومع تقدم المرض بدأت الخصلات الذهبية لتشارلي تفقد قوتها تنفصل بسهولة وتترك أثرا

صامتا على الوسادة. كانت الأم كلما أمسكت المشط تشعر أنها تمسك شيئا من قلبها لا شعر ابنتها. كانت الطفلة تجلس على كرسيها الصغير تضم يديها على حجرها ترفع رأسها بنظرة ترجي طفولي
أرجوك لا تؤلمني هذه المرة.
لكن الألم كان يأتي يأتي مهما حاولت الأم أن تكون رقيقة ومهما اعتذرت بصوت مهزوز ومهما أخفت دموعها في زوايا الممر. كل عقدة شعر كانت تتحول إلى عقدة جديدة في قلبها.
ثم جاء ذلك اليوميوم القرار.
ظلت الأم ساعة كاملة تتردد بين فعلين كلاهما مؤلم
هل تترك الشعر يتساقط وحده
أم تختصر على طفلتها هذا الطريق الطويل
لم يكن السؤال عن الشعر في الحقيقة كان عن الشجاعة.
عن مواجهة ما تخشاه لا ما تراه.
وقفت في ممر المنزل بهدوء خانق تشعر كأن الجدران تبتعد عنها قليلا تمنحها مساحة واسعة لكنها موحشة. كانت تحمل ماكينة الحلاقة بيد ترتجف من البرد بل من تلك الرعشة التي تصيب أما تقف على حافة قرار سيغير شكل طفلتها وصورتها أمام نفسها وقد يغير جزءا من روحها هي أيضا.
نظرت إلى تشارلي الجالسة على الأرض تلعب بخصلاتها المتعبة تمرر أصابعها الصغيرة فوق خيوط ضعيفة تذبل يوما بعد يوم. كان المشهد كافيا ليكسر قلبا
من حجر فكيف بقلب أم
اقتربت منها ببطء.
ثبتت ابتسامة على شفتيها ابتسامة فيها من القوة أكثر مما فيها من الطمأنينة. ثم قالت بصوت خافت يشبه رجفة الضوء
حبيبتي هل تسمحين أن نغير شكلك قليلا اليوم
رفعت تشارلي رأسها ونظرت إليها بنظرة هادئة أعمق من سنها بكثير. لم تفهم تماما لكنها لم تخف. كانت معتادة أن تقرأ كل شيء في ملامح أمها فالأم لم تكن تحتاج أن تقول كلمات كثيرةكان وجهها وحده يتكلم.
سألتها الصغيرة
هل سيؤلم
هزت الأم رأسها بسرعة أكبر مما أرادت ثم جلست أمام طفلتها وهمست
لا يا قلبي لن يؤلم. أعدك بذلك. وإذا شعرت بأي شيء أي شيء قولي لي فورا.
هزت الصغيرة رأسها موافقة بثقة طفل لم يتعلم بعد أن يخشى المجهول.
جلست الأم خلفها. تنفست بعمق ثم ضغطت زر الماكينة.
ذلك الصوت الهادئصوت اهتزاز المعدندوى في قلبها كأنه إعلان عن بداية مرحلة جديدة. صوت اعتادته الصالونات لكنه بين جدران ذلك المنزل بدا أكبر أثقل أشبه بصفحة تطوى من كتاب الحياة.
عندما لامست الماكينة رأس تشارلي لأول مرة أغمضت الأم عينيها. أرادت أن تهرب من اللحظة لكنها كانت مجبرة على أن تراها أن تعيشها كاملة. سمعت أول خصلة وهي تسقط
فوق الكتف الصغير. ومعها سقطت دمعة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
كانت تبكي بلا صوت تبكي من الداخل تبكي خوفا وحبا وذنبا لا تعرف أسبابه.
وقد قالت لاحقا وهي تستعيد تلك اللحظة
كنت أبكي من الداخل حتى لا أحزنها. أردتها أن تشعر بأنها تتحرر لا أنها تخسر شيئا.
لكن شيئا لم تتوقعه حدث.
بينما الأم تقاوم دموعها كانت تشارلي تبتسم.
ابتسامة صغيرة لكنها كانت كفيلة بأن توقف العالم.
ومع كل خصلة كانت تسقط كانت الطفلة تزداد إشراقا. ضحكت ضحكة خفيفة صافية نقية كأنها نسمة تمر فوق جرح عميق.
ثم قالت بصوت طفولي يرق له القلب
إنه شعور رائع يا ماما!
رفعت يدها ولمست رأسها الحليق بفضول وبراءة ثم ضحكت مرة أخرى ضحكة جعلت الأم تتوقف تمسك الهواء بصدريها وتنظر إلى ابنتها وكأنها ترى معجزة صغيرة تتكون أمامها.
كانت تلك بداية التحول بداية الفهم بداية لحظة لا تنسى.
شعرت بأن الهواء من حولي يثقل كأن الغرفة بأكملها انكمشت على صدري. وقفت أتأمل حقيبتي الموضوعة عند الباب تلك الحقيبة التي لم ألمسها منذ سنوات. بدت لي فجأة وكأنها تدعوني أو ربما تدفعني إلى اتخاذ قرار لم أعد قادرة على الهرب منه.
كان هو واقفا في منتصف الغرفة
كتفاه متصلبتان وصوته مبحوحا عندما قال
لا
تم نسخ الرابط