حكاية الشعر الأخير… وحكاية الروح التي لم تنكسر

لمحة نيوز

أريد أن ينتهي هذا الحديث هكذا.
لكنني لم ألتفت إليه لم يكن في صوتي قوة كثيرة حين رددت
بعض النهايات يا آدم لا نختارها هي التي تختارنا.
اقترب خطوة واحدة خطوة امتلأت بأشياء لم يقلها قط بأعذار لم تنطق وبخوف خبيء لرجل ظن يوما أنه لا يهزم. لكنني رفعت يدي بإشارة هادئة رافضة كل محاولة منه للاقتراب.
من فضلك دعني أكمل.
جلس على طرف السرير كأن الأرض فقدت صلابتها تحته. رأيت في وجهه شيئا لم أره من قبل الندم. ذلك الندم الذي لا يأتي إلا بعد خسارة حقيقية. لكن جزءا مني كان متعبا متعبا لدرجة لم تعد تسمح له بالانهيار أو الصراخ.
قلت بصوت خافت
عندما سمحت للشك بأن يدخل بيننا لم تشك في فقط بل كسرت شيئا كان يحميني منك شيئا لم أعد أعرف إن كان يمكن إصلاحه.
رفع رأسه نحوي عيناه دامعتان رغم محاولاته العديدة لإخفاء ذلك.
ظننت أنني أفعل الصواب أنني أحميك.
أجبته
وأنا ظننت أننا فريق واحد لكنك اخترت القتال وحدك وتركتني في الظل.
ساد صمت طويل. صمت يكشف أكثر مما
يخفي. شعرت خلاله بأن كل السنوات التي جمعتنا تقف أمامنا تنتظر حكما ما تنتظر مصيرا لم يعد مؤجلا.
التفت نحو النافذة. ظل المساء قد بدأ ينساب عبر الستائر يرسم خيطا برتقاليا على أرض الغرفة. منظر بسيط لكنه جعلني أدرك كم تغير كل شيء. حتى الضوء لم يعد كما كان.
سمعت صوته من خلفي
إذا خرجت الآن لن أقدر على استرجاعك.
ابتلعت المرارة التي صعدت إلى حلقي وقلت
أنا لم أعد ملكا للعودة يا آدم أنا فقط أحاول أن أنقذ ما تبقى مني.
وقفت عند باب الغرفة. يدي على المقبض. لحظة صغيرة لكنها كانت الأثقل في حياتي. تمنيت داخلي لو أن الأمر أبسط لو أن الحب وحده يكفي لكنه لم يكن يوما كافيا عندما يتسلل إليه الخوف.
سمعته يقول
أحبك.
لم ألتفت. لم أستطع. لا لأنني لم أشعر بشيء بل لأنني شعرت بالكثير أكثر مما يمكن لقلب منهك أن يحتمل.
فتحت الباب وخرجت.
بعد ثلاثة أشهر
كانت المدينة تمطر في ذلك المساء والمساء نفسه كان هادئا على نحو لم أعهده منذ زمن. كنت جالسة في مقهى صغير قرب
النهر أحتسي قهوتي وأكتب ملاحظات في دفتر جديد اشتريته عند بداية حياتي الجديدة. صفحة نظيفة حياة نظيفة.
كنت أظن أن الجرح سيلتئم بسرعة لكنه لم يفعل. كنت أحمل ذكراه تفاصيله وملامح كل لحظة بيننا. لكنها أصبحت ذكريات لا تؤلمني بقدر ما تعلمني.
رفعت رأسي عندما سمعت خطوات تقترب. لم أتوقع رؤيته. لم أكن مستعدة. لكن القدر قلما يسألنا عن استعدادنا.
وقف أمام طاولتي مبللا بالمطر كأن الطريق بأكمله حمله إلي. قال
كنت أعلم أنك هنا.
أجبت بهدوء
لماذا أتيت
جلس دون أن ينتظر إذنا
لأن هناك كلمة واحدة لم أستطع قولها يوم رحلت.
حدقت في عينيه في التعب الواضح في الوقفة المنكسرة التي لم أعرفها عنه من قبل.
أي كلمة
قال
آسف.
توقفت يدي فوق فنجان القهوة. لم أكن أتوقعها. لم أتوقع بساطتها ولا ثقلها.
آسف لأنني خذلتك. لأنني لم أستطع أن أكون الشخص الذي تستحقينه. آسف لأنني لم أفهمك إلا بعد أن خسرتك.
تنهدت طويلا.
أحيانا يا آدم لا يكفي الاعتذار لإعادة الأشياء كما كانت.
ابتسم
ابتسامة باهتة
أنا لا أريد أن تعودي كما كنت أريد أن تعودي كما أصبحت قوية مستقلة واثقة. وإن لم تعودي لي فعلى الأقل أعرف أنك بخير.
لم أستطع رد الكلمات. شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى صدري مزيج بين راحة وحزن بين نهاية وبداية. لم يكن ما بيننا قابلا للعودة لكنه أيضا لم يكن قابلا للنسيان.
وقفت وضعت معطفي على كتفي ونظرت إليه نظرة أخيرة نظرة وداع حقيقي هذه المرة.
قلت
بعض القصص تنتهي لكن أثرها يبقى.
هز رأسه متفهما للمرة الأولى دون صراع دون محاولة للتمسك بما لا يمكن إنقاذه.
أتمنى لك السعادة أينما كانت.
ابتسمت
وأنا أيضا.
ثم خرجت من المقهى وتركت خلفي رجلا كان يوما كل عالمي ورجلا صار اليوم مجرد صفحة في كتاب حياتي صفحة مؤلمة لكنها جميلة بما يكفي لأشكرها على ما صنعت مني.
النهاية
لم تكن النهاية خسارة بل كانت بداية. فهناك طرق لا تفتح إلا عندما نمتلك الشجاعة لنغادر. وهناك قلوب لا تكتشف قوتها إلا حين تكسر. وأنا كنت واحدة من تلك القلوب التي تعلمت أخيرا
أن الحب لا يكون حبا إلا إذا أنقذنا لا إذا أضاعنا.

تم نسخ الرابط