الخاتم الذي فضح الحقيقة… وكشف أنني لست وحيدة كما ظننت طوال حياتي
المحتويات
قال كلمات لم أفهمها أولا
لقد حملتك بين ذراعي عندما كان عمرك ثلاث ساعات فقط أنا عرابك. قطعت وعدا لوالدك منذ ثلاثين سنة ووعدت نفسي ألا أتخلى عنه.
ارتجفت ركبتاي. شعرت بالغرفة تميل من حولي بالهواء يصبح أثقل. تمسكت بحافة الكرسي الجلدي حتى لا أسقط. كنت واقفة أمام رجل لا علاقة لي به ثم خلال دقائق أخبرني أن حياتي ترتبط به بطريقة لا يمكن تخيلها.
قلت بصوت متقطع
لا أفهم ماذا تقول
أجاب بنبرة حازمة لكنها محملة بألم قديم
كان والدك أعز أصدقائي بل كان أخي الذي لم تلده أمي. عرفته منذ كنا طالبين نحمل أحلاما أكبر منا. وعندما مات انقطعت كل الخيوط. ضاع كل شيء. حاولت أن أجدك بحثت ستة عشر عاما كاملة. لم أستطع الوصول إليك لم يخبرني أحد أين ذهبت أمك. اختفيتما تماما.
تجمدت ملامحي وكأن دماغي يتحرك ببطء شديد محاولا فهم ما يجري. كنت أشعر بثقل أكبر من قدرتي على احتماله. كيف لرجل مثل كريستيان أرمسترونغالملياردير المنعزل الذي يخشاه المنافسون ويهابونهأن يقف أمامي بهذه الهشاشة بهذه الصدمة كأنه يواجه ذكرى فقدان لم تشف أبدا.
قال وهو يقترب خطوة صغيرة
شارلوت لا يمكننا الحديث هنا. ليس في مكتبك. ليس في هذا المكان. يجب أن أشرح لك كل شيء كل ما أعرفه وكل ما لا أعرفه أيضا.
استعدت ردة فعل عملي البحت رغم الفوضى التي كانت تدور في صدري. قلت بتلقائية
لا أستطيع المغادرة الآن أنا في الدوام.
سأل فورا
متى ينتهي دوامك
السادسة.
قال دون تردد وكأنه اتخذ قرارا لا رجوع عنه
سأنتظرك. هناك مقهى على بعد شارعين جنوبا اسمه روان. أرجوك تعالي.
بقيت واقفة أمامه يدي لا تزال تمسك بالخاتم حول عنقي بينما نظراته معلقة به كما لو كان نافذته
أومأت أخيرا وقلت بصوت خافت
حسنا السادسة.
غادر من غير أن ينطق كلمة واحدة كأن الهواء نفسه ضاق بوجوده وتركني وحدي في الغرفة التي ضاقت جدرانها علي شيئا فشيئا. كنت أقبض على خاتم والدي بقوة حتى شعرت بأن المعدن البارد يغوص في راحة يدي كأنه يحاول أن يستعيدني أو يخبرني بما لم أعد أفهمه. كان السؤال يضرب رأسي بلا توقف ما الذي حدث للتو ولماذا أشعر كأن الأرض سحبت من تحتي
عند السادسة تماما وصلت إلى مقهى روان. وجدته هناك كما قال يجلس على طاولة صغيرة في الزاوية وقد طلب كوبين من اللاتيه كأنه يعرف أنني لن أستطيع الشرب لكنه أراد أن يثبت لي أنه كان ينتظرني منذ زمن أطول مما أظن. جلست أمامه وشعرت بأن أعصابي مشدودة إلى درجة أن الهواء حولي أصبح ثقيلا.
لم يمنحني فرصة لالتقاط أنفاسي. بدأ يتحدث مباشرة بصوت منخفض لكنه ثابت كأنه يسترجع تاريخا مكتوبا على صفحة قلبه.
قال
الاسم الكامل لوالدك هو كولين جيمس بيرس. ولد في بورتلاند بولاية مين. توفي والداه عندما كان في السادسة عشرة من عمره فكفلته جدته حتى حصل على منحة كاملة للدراسة في MIT. التقينا في السنة الثالثة في جمعية المعماريين
كان يذكر أحداثا أعرفها حكايات سمعتها من أبي مرارا وأنا طفلة لكن سماعها من فم رجل غريب جعلني أشعر بارتباك شديد كأن الزمن يعيد نفسه بطريقة تهز ثقتي في كل ما أعرفه.
قلت بصوت متردد لكنه واضح
لست متأكدة مما يفترض بي قوله أكمل.
تابع حديثه بنبرة امتلأت بالحنين
كان كولين والدك أفضل أصدقائي. لم يكن مجرد رفيق دراسة بل كان أخي.
وجدت نفسي أقول بحدة لم أستطع إخفاءها
أمي لم تذكر اسمك قط. ولا مرة واحدة في حياتي. لم أسمع بوجودك حتى هذا اليوم.
نظر إلى كوب قهوته وانطبعت على وجهه ملامح ألم حقيقي كأنني صفعت ذكرى قديمة لا يستطيع أن يحميها.
قال بهدوء
أعرف. عندما توفي والدك جئت إلى والدتك فورا. عرضت عليها المساعدة المال الدعم كل ما أستطيع تقديمه. لكنها رفضت. لم تكن تريد مني شيئا. قالت إنها ستتولى الأمر وحدها. وكلما رأتني رأت معه ذكراه وكان ذلك يمزقها.
تنفس بصعوبة قبل أن يضيف
وبعد سنوات تزوجت من جديد وغيرت اسميكما إلى برادفورد وانتقلتم إلى كونيتيكت. توقفت عن المحاولة لفترة لكنني لم أنس. كنت أحاول أن أصل إليك من حين لآخر.
تسللت غصة إلى صدري فقلت بصوت منخفض
ولماذا يهم كل هذا الآن والدي مات.
رفع نظره إلي وقال بهدوء حاسم
لأنني قطعت وعدا.
رفع يده اليمنى وأراني الخاتم الفضي الذي كان يلمع تحت الإضاءة الخافتة. تجمدت في مكاني.
قال
في ديسمبر عام 1994 كنا في الثانية والعشرين من عمرنا. يتيمين بلا عائلة. قررنا ألا نكون وحدنا بعد الآن. أن نكون إخوة ليس بالدم بل بالقلب. وقطعنا عهدا إذا مات أحدنا يتولى الآخر رعاية عائلته. تبادلنا هذين الخاتمين. هذا الذي أرتديه الآن كان خاتمه.
نظرت إلى الخاتم الذي يحيط رقبتي ذاك الذي ورثته عن أبي وكبرت وأنا أظنه جزءا منه لا ينفصل عنه. شعرت بأن العالم يدور من حولي.
تمتمت
إذا الخاتم الذي أرتديه كان لك
أجاب بصوت يكاد يكون همسا
نعم. كان كولين يرتدي خاتمي وأنت الآن تحملينه. وأنا أرتدي خاتمه.
كانت كلماته تهبط في داخلي كحجارة تلقى في بئر عميقة تسبب دوائر لا تنتهي. أحسست بخدر
سألت وأنا أقاوم ارتجاف صوتي
ولماذا لماذا لم تخبرني أمي بهذا
تنهد طويلا قبل أن يقول
لا أعرف. ربما أرادت أن تنسى كل شيء. فمحتني من حياتكما. ولم أستطع أن أتجاوز رغبتها شعرت أن ذلك خيانة لها.
نهضت فجأة واحتك الكرسي بالأرض فأصدر صوتا حادا جعل كل من في المقهى يلتفت نحونا. لكني لم أهتم.
قلت
أنا يجب أن أذهب.
قال مترجيا
شارلوت انتظري
أجبته وأنا أبتعد دون أن أنظر خلفي
لا أعرفك. ولا أعرف لماذا لم تذكر أمي اسمك لكن كانت لها أسبابها. أثق بها أكثر من ثقتي برجل غريب يملك خاتما يشبه خاتمي. وشكرا على القهوة.
خرجت إلى الهواء البارد وقلبي يضرب بقوة كأنني كنت أهرب من شيء أكبر من مجرد حديث. تلك الليلة لم أنم. بقيت ممددة على سريري في شقتي الصغيرة في أستوريا أحدق في السقف المتشقق وأقبض على الخاتم كما فعلت في المقهى. لماذا أخفت أمي هذا ولماذا الآن
وفي لحظة ضيق نهضت وفتحت الصندوق الخشبي القديم الذي أحتفظ فيه ببقايا أبي صور رسائل قصاصات باهتة وفي القاع كان هناك ظرف مغلق تجاهلته سنوات طويلة. على غلافه عبارة كتبت بخط أمي المرتجف إلى شارلوت عندما تكونين جاهزة.
لم أشعر يوما أنني جاهزة. لكن في تلك الليلة مزقته.
كان الظرف خفيفا لكن شعرت وأنا أمسكه كأنني أحمل ثقل السنوات كلها ثقل الصمت وثقل الحقيقة التي لم ترغب أمي يوما في مواجهتها. وعندما فتحت الورقة وجدت صورتين الأولى لرجلين شابين يقفان في حرم MIT أذرعهما متشابكة وابتسامة كبيرة تكسو وجههما ابتسامة لم أر مثلها على وجه أبي إلا في القليل من الصور. أحدهما والدي بلا شك أما الآخر فكان كريستيان أرمسترونغ في شبابه بالملامح نفسها التي رأيتها
وضعت الصور جانبا وبدأت أقرأ
متابعة القراءة