الخاتم الذي فضح الحقيقة… وكشف أنني لست وحيدة كما ظننت طوال حياتي
إنقاذه من ترك الدراسة ومن نوبة اكتئاب كادت تدمر مستقبله. حكى عن ثلاثة أيام كاملة قضياها مستيقظين لإنهاء نموذج تصميم لمشروعهما النهائي وعن ليلة زواجه الأول التي لم تكتمل وعن تلك الليلة التي تلقى فيها مكالمة من المستشفى يخبره فيها والدي بولادتي وهو يبكي من الفرح.
ثم قال فجأة بصوت يشبه الاعتراف
كان يحبك أكثر من أي شيء في الدنيا. كان يحمل صورتك في محفظته دائما ويفتخر بك أمام الجميع. كان يقول هذه ابنتي شارلوت ستغير العالم يوما.
همست بحزن
لا أذكر صوته أذكر ضحكته فقط.
كان صوته هادئا ودافئا. لم يكن يصرخ. كان يحل مشكلاته بالحوار ويرسم طوال الوقت على المناديل على الأظرف على الصحف. كان عقله يعمل باستمرار.
فتحت حقيبتي وأخرجت دفتر رسوماتي وفتحته عند صفحة فيها تصميم لغرفة معيشة حديثة الطراز. شعرت بخجل طفولي وأنا أقول
أفعل الشيء نفسه تقريبا التصميم الداخلي هو عالمي.
أخذ الدفتر بين يديه كما لو أنه يحمل شيئا ثمينا وتفحص الرسمة بدقة
هذا مذهل. هل درست التصميم
كنت أدرس في معهد الموضة والتصميم السنة الثانية. لكنني تركت الدراسة حين اشتد مرض أمي. وبعد وفاتها لم يكن لدي المال للعودة. ما زلت أسدد فواتير العلاج حتى الآن.
رفع رأسه بسرعة وقال
دعيني أساعدك.
هززت رأسي بقوة
لا. لا أريد مالا يا كريستيان. أمي خافت من هذا طوال حياتها.
قال بجدية عميقة
ليست صدقة يا شارلوت. هذا وعد وعد قطعته على نفسي من أجل والدك. هو أنقذ حياتي ومساعدتك ليست منة بل وفاء لرجل أعتبره أخي.
لم أستطع الرد للحظة طويلة.
لم أجد كلمة مناسبة لأرد بها على وعده كل ما استطعت فعله هو أن أتنفس ببطء كأن الهواء نفسه صار أثقل. قلت بعد تردد طويل
لا أحتاج مالا يا كريستيان لكنني أحتاج شخصا يتذكر أبي. شخصا يجعلني لا أشعر أنني وحيدة في هذا العالم.
مد يده ووضعها برفق فوق يدي وقال بثبات
لست وحدك يا شارلوت. ولن تكوني كذلك بعد الآن.
مرت الأشهر الثلاثة التالية كأنها حياة كاملة. أصبح كريستيان جزءا ثابتا من أسبوعي من يومي من عالمي كله بطريقة لم أفهمها إلا لاحقا. كنا نلتقي كل خميس يشرب قهوته ببطء بينما يروي لي قصة جديدة عن أبي موقفا صورة رسالة نكتة كان يكررها أو عادة كان يقوم بها.
كان يفتح صندوقا صغيرا من الذاكرة في كل مرة ويضعه أمامي لأراه لألمس ما ظننته قد ضاع إلى الأبد. أحيانا كان يخرج صورا لم أرها قط أبي شابا يضحك أو يحمل مخططات معمارية أو يجلس وسط أصدقائه في MIT. وأحيانا كان يسلمني أوراقا كتبها أبي بخط يده رسائل قصيرة أفكارا للابتكار مسودات تصميمات.
زار شقتي ذات يوم ونظر إلى الأثاث المستعمل الذي جمعته بميزانية شحيحة. توقعت منه تعليقا رسميا لكنه قال وهو يدور بعينيه في المكان
أهذا كله من اختيارك
نعم ليس مثاليا لكنه
قاطعني بابتسامة صادقة
إنه رائع. والدك كان سيحبه. كان يقول دائما إن التصميم الجيد لا يتعلق بثمن القطع بل بالرؤية. وأنت لديك هذه الرؤية.
وفي نوفمبر دعاني إلى مكتبه. ظننت أن الأمر يخص مشروعا إداريا عاديا لكنه وضع أمامي مخططات ضخمة وقال بلا تمهيد
أريدك أن تصممي الديكور الداخلي لمقر أرمسترونغ الجديد.
شهقت دون أن أدرك
لكنني مجرد مساعدة إدارية!
ابتسم بثقة
أنت مصممة فقط عالقة خلف مكتب. رأيت أعمالك وأعرف قدرتك. سأستعين بك بشكل حر بمقابل عادل وإذا سار الأمر جيدا نطوره لشيء أكبر.
همست بخوف
لكنني لا أملك شهادة.
أجابني وكأنه كان ينتظر هذه الجملة
ولا والدك. ترك الدراسة قبل آخر فصل. هذا لم يمنعه من أن يكون أحد أبرع المصممين الذين عرفتهم. الموهبة لا تحتاج إلى ورق تحتاج إلى فرصة.
ترددت قليلا ثم قلت بجرأة لم أعرف مصدرها
حسنا سأفعل.
بعد أسابيع أخبرني بأنه يريد أن يأخذني إلى لقاء خاص. لم أفهم
اجتماع دفعة 1994 من جمعية المعماريين. نحن اثنا عشر شخصا والدك كان أحدهم. يريدون أن يلتقوا بك.
أقيم اللقاء في قاعة خاصة بالقرب من MIT. ما إن دخلت حتى وقف أحد عشر شخصا رجالا ونساء علماء ومعماريين وأطباء ومهندسين. كانت لحظة أقرب إلى المشهد السينمائي منها إلى الواقع.
قال كريستيان وهو يقدمني
هذه شارلوت بيرس ابنة كولين.
قالت امرأة اسمها غريس ودمعة في عينها
تشبهينه كثيرا.
وأضاف رجل خمسيني
لديك عينيه وابتسامته.
وقال آخر
كان قلب مجموعتنا. فقدناه مبكرا ونفتقده كل يوم.
ثم قالت طبيبة أعصاب تدعى بريا
كان يتحدث عنك دائما. كان متأكدا أنك ستصبحين معمارية يوما ما.
وفي نهاية السهرة قدموا لي علبة مخملية صغيرة. وعندما فتحتها وجدت خاتما فضيا مطابقا لخاتم أبي وخاتم كريستيان منقوشا من الداخل
شارلوت بيرس إرث كولين.
أمسك كريستيان يدي ووضع الخاتم فيها وقال
أنت جزء من هذه العائلة الآن شئت أم أبيت.
امتلأت عيناي بالدموع وهمست
سأرتديه.
استغرق تصميم المقر الداخلي أربعة أشهر من العمل الشاق. لم أعمل في حياتي بهذا الشغف وهذا الإصرار. اخترت الخشب الداكن والخطوط النظيفة والأقمشة البسيطة وحرصت أن يدخل الضوء الطبيعي إلى كل مساحة كأن الشمس نفسها تشارك في البناء.
وعندما اكتمل المبنى تجولنا فيه معا. وقف كريستيان وسط الردهة الرئيسية يحيط به الضوء وقال بعمق لا ينسى
شارلوت هذا عمل رائع. هذا مكان سيبني الناس فيه المستقبل تماما كما أراد والدك.
ثم توقف أمام لوحة نحاسية مثبتة على الجدار وقرأ بصوت خافت
إهداء إلى كولين جيمس بيرس دفعة 1994 من جمعية المعماريين. صاحب رؤية. أخ. أب. حي إرثه في المساحات التي نبنيها والوعود التي نفي بها.
لم أستطع منع دموعي من الانهمار. قال كريستيان
كان يستحق أن يذكر والآن سيبقى اسمه هنا دائما.
ومنذ ذلك اليوم لم
وما زلنا حتى الآن نلتقي كل خميس لشرب القهوة وكثير من الآحاد نقيم حفلات شواء مع أعضاء جمعية المعماريين.
وفي أحد تلك اللقاءات قلت وأنا ألمس حافة الكوب
قضيت عامين وأنا متأكدة أنني وحيدة في هذا العالم.
ابتسم وسأل
وماذا عن الآن
الآن لدي أحد عشر عما وخالة يراسلونني باستمرار وملياردير عنيد واحد يدفع لي أكثر مما أستحق.
ضحك وقال
أنت تستحقين كل قرش يا تشارلي.
أمسكت يده وقلت
شكرا لأنك وفيت بوعدك ولأنك وجدتني.
أجاب بلطف عميق
أنت من وجدتني. رأيتك يوم دخلت تلك الغرفة مرتدية خاتمه شعرت أن شيئا ما كان يقودك نحوي. ربما هو والدك من مكان آخر.
اليوم وبعد ثلاث سنوات من تلك اللحظة التي رأيت فيها اسمي بجوار اسمه على الخاتم أصبحت أملك مكتبي الخاص استديو الأميرة للتصميم
لدينا مشاريع سكنية وتجارية وفنادق ومطاعم وفريق من ستة مصممين موهوبين.
تبنتني جمعية المعماريين كابنة حقيقية لهم وأصبحت لقاءاتهم السنوية جزءا من حياتي. أحد عشر شخصا لامعين صاروا عائلتي الجديدة.
أنا لست ثرية ولا مشهورة مثلهم لكنني أبني شيئا أعلم أن والدي
سيكون فخورا به.
على مكتبي صورتان
واحدة قديمة لأبي وكريستيان في MIT شبابا يضحكون وخاتماهما يلمعان في أيديهما.
والأخرى حديثة من آخر اجتماع للجمعية وأنا بينهم في المنتصف أبتسم.
أنظر إليهما فأرى في الأولى أبي مليئا بالأحلام وفي الثانية أرى كيف لم تنته قصته بموته بل استمرت في وعد وفي به في رجل بحث عني سنوات وفي عائلة اختارتني لأنها رأت فيه ما يرونه في.
وقبل كل شيء أرى قصته حية في المساحات التي أصممها في الخاتمين اللذين أرتديهما وفي الإرث الذي أحمله كل يوم.
توفي
لكن إرثه لم يمت.
لقد وجد طريقا آخر ليبقى حيا.
في أنا وفي كل مكان أبنيه.