تظاهر بفقدان الوعي… فسمع الحقيقة التي حطّمت عالمه وبنت له عائلة جديدة
تظاهر بفقدان الوعي فسمع الحقيقة التي حطمت عالمه وبنت له عائلة جديدة
كانت قطرات المطر تنحدر ببطء على زجاج النافذة الواسعة في جناح القصر كأن السماء اختارت أن تبكي بدلا عن كل من يسكن ذاك البيت المترامي الأطراف الذي خيم عليه صمت خانق لم يعد يطيقه حتى الجدارن الباردة كل خط مائي يتجمع عند الحافة ثم ينهار إلى أسفل الزجاج كدمعة فقدت صبرها واستسلمت للسقوط
في قلب ذلك السكون الثقيل فتح ريناتو بارسيلوس عينيه بصعوبة كمن يعود من معركة خاسرة كانت جفونه أثقل من صخور الجبال وصدره يشتعل بلسعات مؤلمة ورنين خافت يكتنف أذنيه كأن العالم بعيد عنه آلاف الأميال آلام حادة تمتد من كتفه إلى ضلوعه وجسده كله يئن من الصدمة التي كادت أن تنتزع حياته
لكنه لم يتحرك
لم يزح الغطاء عن جسده
لم يغير موضع رأسه على الوسادة
تظاهر بأنه ما يزال غارقا في غيبوبة طويلة دون أن يرمش إلا بقدر ما يسمح له بالبقاء على قيد الحذر لم يكن ذلك ضعفا ولا رغبة في الاستسلام بل كان قرارا صامتا
قرارا لم يتخذه في حياته من قبل
كان يشعر في أعماقه أن شيئا تغير داخل هذا القصر
شيئا لم يتوقعه
شيئا
الحادث الذي أودى به إلى هذا السرير الأبيض لم يكن أسوأ ما حدث له بل ما تلاه من وجوه مشوهة بالخوف والطمع
أراد أن يعرف
من بقي معه
من دعا له بصدق
ومن رأى مرضه فرصة ذهبية ليحصد ميراثا متعجلا
مرت دقائق طويلة وربما ساعات وهو يراقب العالم عبر نصف عين مغلقة لم يكن يسمع سوى هدير المطر وأنفاسه البطيئة وصوت الأجهزة الطبية ترسم خط حياته المتعثرة على شاشة باردة لا تعرف الرحمة
إلى أن فتح باب الغرفة ببطء
دخلت زوجته ميلينا
امرأة اعتادت أن تبدو مثالية جميلة أنيقة متماسكة دائما كأن مشاعرها الفعلية محبوسة خلف قناع فاخر لكن اليوم كان هناك شيء ما مختلف يتسلل في ملامحها برود صلب يسكن نظراتها وتوتر خفي يرتجف في كتفيها
اقتربت من السرير ببطء محسوب وقفت قربه لحظات طويلة حدقت في وجهه الشاحب
لكنها لم تمد يدها لتلمس إصبعه
لم تنح لتضع قبلتها على جبينه كما اعتادت
لم تهمس بالدعاء
ترددت أنفاسها ثم رفعت يدها كمن يحاول ترتيب شعره لا أكثر وقالت بصوت منخفض أقرب للهمس
الطبيب قال إن حالته غير مستقرة وإن الأمر قد يطول
سكتت قليلا وكأنها
علينا تجهيز الأوراق أي احتمال يجب أن نكون مستعدين له
كانت كلماتها واقعية لكنها انغرست في صدره كإبرة باردة بلا رحمة
كانت تفكر في المستقبل مستقبلها
في الإرث في الإجراءات في كل شيء إلا اشتياقها إليه
وبينما كانت همومها تنساب من بين شفتيها سمع صوتين صغيرين عند الباب
طفلاه كايو وإستيلا
طرق كايو بخجل وهو يقول
ماما نريد رؤية بابا نريده أن يسمعنا فقط لحظة واحدة
لكن ميلينا رفعت يدها بحزم وهي تبعدهما بكلمة قاطعة
ليس الآن! لا أريد أن ترياه هكذا اذهبا مع المربية!
كانت تظن أنها تحميهما
لكنها في الحقيقة كانت تحجب عن ريناتو آخر ما تبقى من دفء في هذا البيت الكبير
ظل يستمع
كل كلمة
كل تنهيدة
وبعد ساعات من الوحدة الثقيلة فتح الباب مرة أخرى
دخلت امرأة أخرى
امرأة لا ترتدي الثياب الفاخرة ولا الأحذية اللامعة
روزا
عاملة تنظيف بسيطة بمئزر باهت وشعر مربوط بإحكام إلا أن في عينيها نورا لا يعرف البهتان
اقتربت من السرير بخطوات بطيئة خجولة ثم وقفت إلى جواره صامتة تنظر إليه كما
همست بصوت نقي
اصمد يا سيد ريناتو أطفالك يحتاجونك لا تدع المرض يأخذك منهم
كان صوتها صادقا متينا رغم رقته فشعر بارتعاشة غير مفهومة تمر بين ضلوعه
وفجأة لاحظ عينيها
كانتا حمراوين يقطران حزنا دفينا
وجهها شاحب
نظراتها تهرب في كل مرة تقترب فيها من الانهيار
رن هاتف صغير في جيبها
انتفضت يدها كمن ارتكب جريمة
أجابت بصوت خافت
ألو دكتور
ثم صمت طويل
قبل أن تنطق جملة واحدة كفيلة بتمزيق قلب أي إنسان
ثلاثة أشهر فقط
ارتجف صوتها
هل يعني هذا أنه لا يوجد علاج آخر
لكنها طفلة طفلة لم تبلغ التاسعة
كانت تحاول التماسك
لكن الكلمات كانت تسقط من فمها محملة بالوجع
مئتان وستون ألفا أنا أنا لا أملك شيئا
ثم انهارت فجأة على ركبتيها قرب سريره تبكي بكاء مرا صادقا يعري الروح
يا رب كيف أنقذ طفلتي كيف
لم ير ريناتو امرأة تبكي بهذه القسوة من قبل
كانت أما تواجه قدرا لا يرحم
وهو الرجل الغني القادر على شراء
عاجز في سريره يراقب دموعا أغلى من كل ثروته
وبينما كانت تنهار