تظاهر بفقدان الوعي… فسمع الحقيقة التي حطّمت عالمه وبنت له عائلة جديدة
أمامه شعر لأول مرة أن الحادث لم يسلبه قوته فقط
بل كشف أمامه حقيقة كل قلب حوله
مرت الأيام تجر أذيال البطء ثقيلة كأن عقارب الساعة تسير فوق صدره مباشرة كان ريناتو يراقب كل تفاصيل الحياة داخل القصر بعين نصف مغمضة يتظاهر بالغياب وهو أشد حضورا مما يظنون ومع كل لحظة كان الفارق يتسع بين امرأتين
بين زوجته ميلينا التي غرق عقلها في الحسابات والتوقعات وروزا العاملة التي لا تملك شيئا سوى قلبها لكنها أعطت به كل شيء
ميلينا كانت تجلس طويلا مع الطبيب تسأله لا عن صحته فقط بل عن فرص بقائه وما يجب فعله لو طال الأمر أو لم يطل تناقش المحامي في أوضاع الشركات وتبحث في الملفات وتستفسر عن الإجراءات إن تغيرت السلطة في القصر
لم يكن في سلوكها خيانة ولا رغبة في الشر
لكن كان فيه خوف مفرط وأنانية تختبئ تحت قناع الواقعية
لم تستطع أن ترى زوجها مجرد إنسان يحتاج حبا لا معاملة
وفي المقابل كانت روزا تمسح دموعها في الممر ثم تدخل الغرفة بوجه مبتسم كي لا يشعر الأطفال بالحزن كانت تجمع الألعاب وتقرأ قصصا صغيرة لكايو وإستيلا بصوت يملؤه الدفء رغم أن قلبها كان ينازع الخوف على طفلتها كل مساء
وفي ليلة هادئة ثقلت فيها الأمطار وسكنت الرياح
دخلت
روزا
تجمدت في مكانها كما لو أنها سمعت صوتا من عالم آخر
سقطت الملعقة من يدها على الأرض بارتطام مكتوم واتسعت عيناها ذهولا وهي تهمس
سيد ريناتو أنت أنت مستيقظ
فتح عينيه ببطء شديد وصوته بالكاد يخرج
أرجوك لا تخبري أحدا ليس الآن
وضعت يدها على فمها كي تكتم شهقة بكاء كادت تنفلت منها واغرورقت عيناها بدموع لم تستطع حبسها
همست بصعوبة
منذ متى
رد بصوت متهدج
منذ أيام سمعت كل شيء يا روزا كل كلمة قلتها وكل دمعة سقطت من عينيك
انهارت الدموع على وجنتيها دفعة واحدة
جلست على كرسي قريب وهي ترتجف
آسفة لم أقصد أن أزعجك أنا فقط كنت
قاطعها بنبرة حانية رغم ضعفه
كنت أما وهذا يكفي
سكت لحظة ثم أضاف
ابنتك لن تواجه هذا وحدها سأساعدك مهما كلف الأمر
هزت رأسها سريعا وكأنها ترفض النجاة
لا! لا أستطيع قبول مالك
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة
ليس مالا يا روزا إنه شكر شكر لإنسانة لم تهجرني حين اختفى الجميع
لم تستطع الإجابة فقط أومأت برأسها بينما دموع الامتنان تغلب خوفها
بعد يومين تقدم الأطباء
لقد استعاد ريناتو وعيه رسميا
دخلت ميلينا الغرفة بخطوات سريعة تحمل ابتسامة رتبتها على عجل وقلقا حاولت أن تظهره كي يبدو حقيقيا
ريناتو! كيف تشعر الحمد لله
نظر إليها طويلا نظرة لم تكن غضبا ولا لوما
نظرة رجل استيقظ على حقيقة من حوله
قال بصوت هادئ لكنه قاطع
أنا سمعت كل شيء يا ميلينا
ساد صمت ثقيل كالصخر
لم يكن يقصد اتهاما
لكنها فهمت
هو سمع خوفها
سمع منطقها الجاف
سمع رغبتها بالانسحاب قبل أن يرحل
سمع ضعفا حاولت إخفاءه خلف واجب وورق وأرقام
تكلمت وصوتها أقرب للانكسار
لم أقصد أن أبدو قاسية فقط لم أعرف كيف أتعامل مع كل هذا كنت خائفة
أجاب بهدوء قاتل
أعرف ذلك وأنا لا ألومك
لكن الكلمات بينهما لم تعد تكفي
المسافة التي تشكلت في غيابه
كبرت بلا رجعة
في مساء ذلك اليوم جمعت ميلينا بعض أغراضها في حقيبة لم يطردها أحد
لكنها فهمت أنها لم تعد جزءا من حياته كما كانت
غادرت القصر بصمت وقلق غامض يثقل روحها لكنها تركت الأطفال معه كي لا يخسروا أما وأبا في وقت واحد
وبقيت روزا
لم تبق كبديلة
ولا كزوجة محتملة
بل كإنسانة تقاسمته
رافقها ريناتو إلى المستشفى
كان يجلس معها في الممر الطويل الذي يشبه انتظار القدر يستمع لقلقها ويدها ترتجف في يده
وعندما كانت تعود مساء كانت تعتني بأطفاله كما تعتني بطفلتها
تطهو ترتب تضحك
وتحاول منح الجميع ضوءا صغيرا في نهاية الطريق
وريناتو يراقبها بصمت
قلبه يتعلم شيئا لم يعرفه في برجه العالي
الوفاء
الحنان
الإنسان الحقيقي
وبعد شهرين من العلاج المرهق خرج الطبيب بابتسامة أخيرا
طفلة روزا
شفيت
أشرق وجه المرأة التي اعتادت أن تخفي كل ضوء
ضحكت وضحك قلبها معها لأول مرة منذ زمن
وفي صباح مشرق من ربيع جديد خرج الجميع إلى حديقة القصر
كايو يركض كالعصفور
إستيلا تلاحقه وهي تصرخ بالفرح
طفلة روزا تمسك فراشة صغيرة وتضحك كأن المرض لم يزرها يوما
أما ريناتو فوقف يراقب المشهد وشيء في صدره يتفتح رويدا
شيء يشبه الحياة
اقترب من روزا نظر في عينيها فبادلته ابتسامة قصيرة
لكنها كانت الحقيقة كلها
لم يكن هذا حبا نبت فجأة
بل زرعته الدموع
وسقته المعاناة
ونضج حين تلامست القلوب بلا زينة ولا رتوش
في تلك اللحظة أدرك ريناتو حقيقة كبرى
الله لم
يأخذ منه شيئا
إلا
عائلة حقيقية
لا تبنى بالدم
بل تختارها الأرواح لبعضها