قبل يوم الزفاف بساعات اكتشف الحقيقة التي أخفتها خلف ابتسامة
انشق هدوء تلك الظهيرة الهادئة بصوت صرخة مفزعة صرخة حملت وجعا قادرا على تجميد الدم في العروق. ارتد صداها بين جدران بهو قصر آل ألمايدا الفخم لتكشف عن مأساة لا يجب لأحد أن يكون شاهدا عليها.
في تلك اللحظة تحديدا عاد رافاييل ألمايدا أحد أبرز رجال الأعمال في المدينة وأشهرهم نجاحا إلى منزله قبل الموعد المعتاد. كان ذلك يوم الجمعة وداخله امتلأ بمشاعر الترقب والفرح. فغدا سيعقد قرانه على باربارا ميندونسا المرأة التي أقنع قلبه نفسه بأنها حب عمره ورفيقة دربه إلى النهاية.
في يده اليمنى كانت باقة من الورود الحمراء تلك الزهور التي كانت باربارا تزعم أنها المفضلة لديها. أراد أن يفاجئها بلفتة رقيقة وأن يدخل ليجد وجهها يضيء بابتسامة ناعمة حين تراه يدخل مبكرا وهو يحمل الحب بين يديه. تخيل المشهد عشرات المرات لكن الواقع كان قاسيا حد الصدمة.
بمجرد أن فتح باب القصر الأمامي توقفت خطواته فجأة واتسعت عيناه بذهول صاعق. انزلقت الباقة من يده وارتطم زجاج المزهرية بالأرض فتبعثر الماء والورد فوق الرخام المصقول. لم يعد يرى أي شيء من حوله سوى تلك الصورة التي
رأى باربارا خطيبته واقفة في منتصف البهو بكامل أناقتها ترتدي ثوبا فخما يشي بالترف الذي تحيط نفسها به دائما. شعرها مسرح على نحو مثالي وملامح وجهها مصقولة بكل ما يليق بسيدة مجتمع ثرية غير أن قناع اللطف الذي اعتاده منها اختفى كليا. حل مكانه وجه مشوه بنظرة كراهية قاتمة لم ير مثلها في حياتها من قبل.
وعند قدميها كانت دونا مارتا والدته. امرأة تقود العمر نحو خريفه الثامن والستين أفنت حياتها كادحة حتى ينهض ابنها ويصبح الرجل الذي صار عليه اليوم. ربته دون سند دون زوج دون أي رحمة من الحياة. كانت دائما رمز الحنان والطيبة لم ترفع صوتها على أحد يوما.
لكنها الآن كانت ساقطة على البلاط البارد منكمشة كعصفور بلل المطر ريشه. وجهها مغسول بالدموع وعلى جبينها علامة أذى حمراء واضحة. حاولت أن تحمي نفسها بيديها المرتعشتين ولكن الخوف كان أكبر من قدرتها على المقاومة.
بينما كان رافاييل عاجزا للحظة عن استيعاب ما يراه اخترقت أذنيه كلمات باربارا وهي تصرخ بغلظة لا يمكن أن تصدر إلا عن نفس مظلمة
قريبا جدا ستذهبين إلى دار رعاية بعيدة
قالتها ببرود شيطاني وكأنها تتلذذ بسحق قلب امرأة مسنة لا حول لها ولا قوة.
ثم حدث ما جعل قلب رافاييل يكاد يتوقف
باربارا رفعت قدمها واندفعت تضرب والدته دون رحمة!
ارتفع صوت أنين مارتا المفجوع وهي تتلوى من الألم وكأن الضربة حطمت شيئا في صدر ابنها معها. في تلك اللحظة فقط تحركت مارينا ابنة العاملة وصديقة الطفولة محاولة الوقوف بينهما فدفعتها باربارا بقوة ليرتطم جسدها بالحائط.
تلعثمت أصوات متداخلة
أنين توسل صرخات كمدفونة داخل خوف عميق.
قالت دونا مارتا بصوت مختنق يرتجف كشمعة على وشك الانطفاء
أرجوك لا تبعديني عن ابني أتوسل إليك
وفي تلك اللحظة تجمد الزمن.
كانت ثانيتان فقط لكنهما كانتا كأطول عذاب عرفه رافاييل في حياته.
نظر إلى المرأة التي عاش لأجلها السنوات الأخيرة وتمنى بناء عائلة معها
كيف تحولت إلى هذه القسوة الشنيعة
كيف خدعته بهذا الإتقان
كيف استطاعت أن تتصنع الحنان أمامه وتتحول إلى وحش بمجرد أن يغيب
اكتشف فجأة أن كل ابتسامة كل هدية كل عناق كانت تمنحه لوالدته لم يكن سوى تمثيل خادع.
مسرحية بارعة الإتقان سقط
صرخ بصوت دوى كالرعد
كفى!!!
كان صوتا قويا بما يكفي ليجمد جدران القصر.
التفتت باربارا نحوه ببطء وفزع صادق يرتعش في عينيها.
لم تكن تخاف ذنبها
كانت تخاف الحقيقة التي انكشفت نهاية لعبتها.
اندفع رافاييل نحو والدته غير مكترث بالزجاج الذي تهشم تحت خطواته. ركع إلى جوارها يده ترتجف وهو يلمس وجهها برفق متألم. رأى الجرح رأى الدم فشعر كأن سكينا فتحت صدره.
قال بصوت مختنق
أمي يا إلهي ماذا فعلت بك
انفجرت دموعه رغما عنه بينما ظلت والدته تبكي بصمت موجوع.
أما باربارا فبدأت تحاول اختلاق الأعذار بصوت متهدج
رافاييل لقد تعثرت كانت مجرد محاولة لإسنادها
لكنه استدار نحوها ببطء رهيب
نظرته وحدها كانت كافية لتجعلها تتراجع خطوة كاملة وكأنها اصطدمت بحائط لا مرئي من الغضب.
منذ تلك اللحظة اختفى من عينيه كل ما كان يشعر به نحوها.
لا حب لا ثقة لا مستقبل.
ظهر سؤال واحد فقط
سؤال يقطع القلب كالشفرة
من أنت
خرج صوت من خلف الحائط صوت مارينا التي شهدت كل شيء فصرخت بجرأة لم تكن تملكها قبل تلك اللحظة
لا تصدقيها يا رافاييل! لقد رأيت كل شيء! هذه السيدة تعذب
تجمد وجه رافاييل وارتعش