قبل يوم الزفاف بساعات اكتشف الحقيقة التي أخفتها خلف ابتسامة
صوته وهو يكرر بذهول موجع
أشهر
نظر إلى والدته وللمرة الأولى رأى ما عماه الحب عن رؤيته طويلا رأى الهزال الذي نال جسدها والكدمات التي تحاول دائما إخفاءها وارتعاش الأصابع الذي ظنه توترا عابرا ورأى في عينيها خوفا كان يراه كل يوم لكنه لم يدرك سببه.
انحنت رأسها وتهدج صوتها وهي تقول
ابني حاولت أن أخبرك لكنها هددتني قالت إنها ستبعدني إلى دار لا يعرف أحد مكانها وستخبرك أنني فقدت عقلي وستجبرك على تصديقها
كانت كلماتها تخرج من أعماق الجرح.
كل حرف منها كان صفعة على قلب رافاييل.
وقف ببطء واستندت والدته إلى الحائط بينما كان هو ينظر إلى باربارا نظرة غريبة نظرة رجل تحطم كل ما كان يعتقد أنه يعرفه.
قالت باربارا وهي تقترب بخطوات مترددة
رافاييل دعني أشرح الأمور ليست كما تظن كنت
قاطعها صوته
قاطعها كحد السكين
لا تقتربي
كانت الكلمة أمرا وكان الصوت قاضيا أصدر حكما لا رجعة فيه.
ارتجف جسدها فجأة وسقطت على الأرض من شدة الخوف.
أسرعت مارينا
وما إن رفع قماش معطفها الطويل حتى انهار كل شيء.
الكدمات كانت كثيرة متعددة الألوان حديثة وقديمة دليل لا يقبل الشك.
حكاية كاملة من الألم من الصمت من الخوف كانت مرسومة على جلدها.
رفع يده إلى فمه وارتجف صدره بأنين مكتوم
ثم انحنى يقبل يد والدته وهو يجهش بالبكاء
يا أمي سامحيني كيف لم ألاحظ كيف تركتك وحدك مع هذا الوحش
لم تستطع أن ترد كانت تكتفي بلمس شعره بيد مرتجفة كأنها تطمئنه رغم المعاناة التي لم تنته بعد.
ثم وقف أخيرا.
خطواته بطيئة لكن قلبه كان عاصفا.
تقدم نحو باربارا التي كانت تراقبه بعيون مذعورة وقد سقط عنها القناع تماما.
سألها بصوت منخفض لكنه مزلزل
لماذا
لم يكن ينتظر مفهوما ولا تبريرا
كان سؤالا يشق الأعماق بحثا عما تبقى من إنسانية بداخلها.
ضحكت بسخرية باكية وانفجر كل
لأنها كانت تقف عائقا أمام ما أريد!
كنت أريدك أنت! القصر! الحياة التي استحققها!
لم يكن لها مكان بيننا!
بعد الزواج كنت سأبعدها بهدوء
وكنت ستصدق كل كلمة أقولها كما صدقتني كثيرا قبل الآن!
عم الصمت الباهظ القاعة.
لم يصرخ رافاييل
لم ينفجر غضبه
بل قال بصوت ثابت يخترق الروح
مارينا اتصلي بالشرطة.
شهقت باربارا وقد شحب وجهها
الشرطة! هل جننت
أنا خطيبتك! ستفضحني ستدمر كل شيء
رد بجمود قاس
أنت من دمرت كل شيء.
حاولت أن تزحف نحوه كمن يتمسك بآخر خيط بائس
رافاييل أرجوك لن يتكرر هذا دعنا نبدأ من جديد
ابتسم ابتسامة موجوعة وقال
كيف أبدأ من جديد معك وقد انتهى كل شيء داخلي
اقتربت منها مارينا تمسك هاتفها بيد حازمة بينما انهارت باربارا تبكي وتصرخ وتنتحب لكن لم يعد لصوتها معنى.
وقبل أن تأتي الشرطة بثوان قال لها رافاييل آخر كلماته
سأتزوج يوما
لكن زوجتي ستقبل أمي تاجا على رأسها
لا جرحا في قلبها.
لم تنطق باربارا شيئا بعدها.
فقدت الكلمات قيمتها وفقدت نفسها.
وصلت الشرطة وأخذتها وهي تحاول المقاومة لكن لا أحد التفت إليها.
كان العالم كله يقف بجانب السيدة مارتا
امرأة هزمت الحياة وظلت واقفة.
رافق رافاييل والدته إلى غرفتها وجلس بجوارها يمسك يدها طويلا دون كلام. كان يكفيه أن يشعر بنبضها قربه ذلك النبض الذي كاد يختفي لولا أن القدر أنقذه في اللحظة الأخيرة.
همست مارتا بصوت خافت
ابني لا تؤنب نفسك لا أحد يرى الشر بسهولة حين يختبئ خلف الحب
فاضت دموعه من جديد وقال
أعدك لن أجعلك تبكين بعد اليوم.
هذا القصر وهذا القلب لن يسكنهما أحد قبلك.
ابتسمت أخيرا ابتسامة أم نجت من الألم.
رفعت يدها تمسح دموعه وهي تقول
وجودك يكفيني يا بني
أغمض رافاييل عينيه لحظة
وتذكر أمرا شيئا لم يقله لأحد بعد
كان سيكتب اسم باربارا بجانب اسمه غدا أمام الجميع.
لكن الآن سيكتب اسم أمه فقط في قلبه قبل أي مكان آخر.
وبينما هدأت الأصوات ولم يبق في القصر سوى أنفاس الثلاثة
كانت ليلة الحفل
اعتاق لقلب مخدوع
ولروح مظلومة
ولحقيقة انتصرت أخيرا.