عروس ثرية تضبط وهي تسيء إلى الأم الفقيرة المسنة لكن المليونير يفعل شيئا غير متوقع

لمحة نيوز

كلمة مطمئنة كانت تزداد وزنا في قلبه حتى بات يدرك ما كان يتجاهله طويلا.
وقطعت السيدة مارتا لحظات الصمت بقولها
رافاييل أحلم باليوم الذي أرى فيه منزلك مليئا من جديد بالضحكات والدفء.
تجمد لثانية واحدة وتبادلت مارينا معه نظرة عابرة ثم عادت تخفض عينيها بسرعة. فسألها بصوت خافت يحمل خوفا قديما
بعد كل ما حدث
ردت والدته بثقة أم اختبرت الحياة
يا بني الحياة لا تتوقف عند سقطة مؤلمة. أحيانا تكون تلك السقطة هي الجسر نحو الطريق الصحيح.
اشتد خفقان قلبه دون أن يجد الكلمات الملائمة للرد. فاختار الصمت.
بعد أن انتهت مارينا من إطعام السيدة مارتا ورتبت الغطاء فوقها همت بالوقوف لكن يد مارتا أمسكت يدها فجأة. اتسعت عين مارينا دهشة.
قالت السيدة مارتا بوضوح خرج من أعمق نقطة في قلبها
يا مارينا لقد منحت قلبي شيئا افتقده منذ زمن طويل شعور الطمأنينة.
تلبكت ملامح مارينا وارتعشت أصابعها ثم همست بتواضع
لم أفعل شيئا يذكر يا سيدتي أنتم عائلتي ومن الطبيعي أن أقف معكم.
ابتسمت مارتا ونظرت لابنها نظرة تحمل رسالة غير منطوقة لكن رافاييل أشاح بوجهه كي لا ترى ارتباكاته.
دخلت إحدى العاملات للاستفسار عن الاحتياجات فاعتذر رافاييل وخرج ليرد على مكالمات تخص أعمال العائلة تاركا الأم مع مارينا في لحظة سكون دافئة.
قالت مارينا بهدوء
الآن عليك بالراحة سأكون في الردهة إن احتجت شيئا.
وقبل أن تغادر استوقفتها السيدة مارتا بكلمات تبقى دون نسيان
مارينا القلب يعرف حتى وإن صمتت الشفاه.
خرجت مارينا وأغلقت الباب ببطء ثم وقفت للحظات تتعافى من اضطراب مفاجئ. وضعت يدها على صدرها فالقلب لم يتوقف عن الخفقان بقوة غير مألوفة وكأن حدثا سريا ولد داخلها دون استئذان.
جلست على المقعد الخشبي الطويل في الردهة والسكون يحيط بها إلا من ارتجاف قدميها. كانت كلمات السيدة مارتا تتردد داخل رأسها
القلب يعلم وإن خاف أن يتكلم.
وفي تلك اللحظة خرج رافاييل بهدوء. لمحها جالسة وحيدة فتوقف لثانية ثم تقدم نحوها قائلا بنبرة امتنان واضحة
مارينا وجودك هنا أنقذنا. لا أعرف كيف كنا سنتصرف لولاك.
خفضت رأسها تخفي اضطرابها
هذا واجبي السيدة مارتا عزيزة علي.
جلس بجانبها على مسافة تحترم الحدود لكن تقلصها المشاعر أكثر مع كل نفس بينهما.
صمت قليلا ثم قال
أميقالت لك شيئا قبل قليل أليس كذلك
ارتبكت وأجابت سريعا
كل ما قالته مجرد امتنان.
لكنه ظل ينظر إليها طويلا نظرة تبحث عن اعتراف تسكنه منذ زمن. ثم نطق بما لم يتوقعه كلاهما
مارينا هل أنا بالنسبة لك مجرد صديق طفولة
تسارعت أنفاسها اختفى صوتها ولم تجد ملاذا إلا الأرض كي تهرب منها النظرات. أعاد سؤاله بنبرة أكثر دفئا
لا أطلب منك الآن جوابا فقط أريد أن أفهم.
رفعت رأسها أخيرا وعيناها تعترفان بما تخشاه الكلمات. تمتمت
رافاييل أنت خارج للتو
من جرح موجع وما مررت به مع باربارا لم يكن سهلا. لا أريد أن أبدو كمن يظهر في لحظة انهيار كي يملأ فراغا مؤقتا هذا ليس عدلا لا لك ولا لي.
اقترب قليلا وهمس بصوت يكاد يحترق صدقا
مارينا آخر ما أشعر به بقربك هو الفراغ.
ارتجف قلبها أكثر وتوقفت الكلمات عند حدود الشفاه.
وقبل أن تتاح لمارينا فرصة الرد خرجت السيدة مارتا من غرفتها وهي تستند إلى الحائط بخطى متعبة. فنهضا لمساعدتها فورا.
قالت بابتسامة يغلفها الإرهاق
أود الجلوس قليلا في الردهة أحتاج إلى بعض الهواء.
ساندها رافاييل من جانب وتولت مارينا الجانب الآخر حتى جلست على المقعد الوثيرة. أمسكت بيديهما معا وقالت بنبرة دافئة تتلألأ في عينيها لمعة محبة
يا أولادي الحياة لا تمنح الإنسان فرصا كثيرة وحين تتلاقى القلوب تستريح.
لم يدرك رافاييل ما الذي ترمي إليه والدته تماما بينما فهمت مارينا قصدها بوضوح شديد. تصاعدت حرارة وجهها فانسحبت يدها برفق من يد السيدة مارتا محاولة إخفاء ارتباكها.
ولكي تتجنب التعليق سعلت السيدة مارتا قليلا فارتبك الاثنان.
قالت مطمئنة
لا تنظرا إلي هكذا أنا بخير. لقد نجاني الله من شر عظيم ولن يتركني الآن.
نظر إليها رافاييل بعاطفة صادقة وقال
أنت قوية يا أمي ولن أسمح لأحد بعد اليوم أن يؤذيك مهما كان.
قبضت على يده بحنان وهمست
كل ما أريده يا بني أن تعيش سعيدا بقلب مطمئن وبعائلة حقيقية.
كانت عيناها تتجهان نحو مارينا أكثر مما تنظران إلى ابنها فازداد وجه مارينا احمرارا ونهضت سريعا بحجة إحضار بعض الماء هربا من تلك التلميحات التي تضرب قلبها دون رحمة.
راقبها رافاييل وهي تبتعد ثم مال نحو والدته وسأل بصوت خافت
أمي هل تحاولين قول شيء
ابتسمت بثقة خفيفة وقالت
أنا لا أحاول يا بني أنا أرى.
لم يجب. كان هناك شيء يتحرك في صدره شيء لم يشعر به منذ زمن طويل ربما منذ ما قبل عاصفة باربارا بكثير.
حين عادت مارينا تحمل كوب الماء كانت ملامحها هادئة لكن قلبها ينبض بقلق سؤال لم تتجرأ على طرحه
هل يمكن للقدر أن يكون بهذا الوضوح
مرت الساعات التالية بهدوء نادر. بدت السيدة مارتا أكثر اطمئنانا وقد تحسن وضعها قليلا وظلت مارينا قريبة منها تعطيها الدواء وتبدل الضمادات بحرص وتتابع تنفسها ونبضها دون كلل.
أما رافاييل فجلس في الردهة صامتا يراقب كل شيء بعينين تحملان محاولة يائسة لإعادة ترتيب عالم انهار فجأة تحت قدميه.
ومع اقتراب المغيب أضاءت مصابيح القصر الممرات بلطف وبثت في المكان سكينة افتقدها منذ أيام. خرجت مارينا من غرفة السيدة مارتا وأغلقت الباب بهدوء وفجأة رأت رافاييل واقفا خلفها ينظر إليها بنظرة أربكتها.
سألها بصوت منخفض
كيف حالها الآن
أجابت
أفضل بكثير خف الألم وبدأ الدواء مفعوله لكنها بحاجة للراحة وللأمان قبل كل شيء.
خفض رافاييل نظره وقال بنبرة حزينة
الأمان
هذا ما افتقدته طوال هذه الأشهر وكنت آخر من يدرك ذلك.
كان الذنب واضحا في عينيه فتقدمت خطوة نحوه وقالت بهدوء
الألم ليس ذنبك يا رافاييل لقد خدع كثيرون بمظاهر باربارا كانت بارعة في التمثيل ودائما أنيقة حين تسلط عليها الأضواء لا تضع اللوم على نفسك وحدك.
رفع بصره نحوها وكأن كلماتها أعادت إليه بعض الهواء وقال
ظننت أنني قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف لكن الإنسان لا يرى الحقيقة أحيانا إلا بعد أن ينهار كل شيء أمامه.
ابتسمت بخفة فيها حزن دفين
نعم لا يسقط القناع إلا حين تنتهي المسرحية.
ظل يصغي إلى صوتها ونظراته معلقة بها حتى شعرت بأن عليها تغيير مجرى الحديث فسألته
هل تناولت شيئا لم تأكل منذ الظهيرة.
هز رأسه
لست جائعا لكن إن أردت تناول شيء فسآكل معك.
ترددت قليلا ثم قالت
سأعد بعض الشاي الجو بارد قليلا.
ابتسم ابتسامة خافتة
فكرة جميلة.
اتجها معا نحو المطبخ. بدا القصر ساكنا إلا من أصوات خافتة. وضعت مارينا الماء على النار بينما وقف رافاييل قرب الطاولة الرخامية يراقبها وهي تتحرك بخفة تعودها منذ طفولتهما.
قال فجأة بابتسامة دافئة
هل ما زلت تضعين السكر قبل الماء كما كنت تفعلين ونحن صغار
ضحكت ضحكة ناعمة أعادت لون الحياة إلى وجهها
وكيف أنسى كنت تسخر مني دائما وتقول إنني أتحدى قوانين الطبيعة!
قال مازحا
وكنت محقا من يفعل ذلك سوى مارينا
أجابته وهي تتابع إعداد الشاي
الشاي يصبح أطيب هكذا وما زلت مقتنعة بذلك بعد كل هذه الأعوام.
اقترب خطوة ووضع يده على حافة المنضدة قربها ونطق بصوت خافت
بعض الأشياء لا تتغير.
رفعت رأسها نحوه فوجدت المسافة بينهما أقرب مما يجب. دق قلبها بعنف فخفضت عينيها سريعا وقالت متلعثمة قليلا
سأجلب الأكواب.
وبينما تفتح الأدراج بخجل واضح كان هو يراقبها بنظرة لم يسمح لنفسه بها من قبل نظرة تحمل شيئا لم يجسر على الاعتراف به بعد.
عادت بكوبين ووضعت أحدهما أمامه. شكرها بصوت منخفض. جلسا قرب النافذة ارتشفت هي الشاي بينما ظل هو يحدق في كوبه دون أن يلمسه.
سألته
لماذا لا تشرب
تنفس ببطء وأجاب
أفكر في شيء قالته أمي اليوم.
رفعت حاجبيها
وماذا قالت
نظر إليها دون أن يرمش
قالت إن القلوب حين تتطابق تستريح.
تجمدت مارينا للحظة. تاهت أنفاسها وتقلص قلبها كأنه انكشف فجأة أمام الضوء. حاولت أن تبدو متماسكة وقالت
السيدة مارتا حكيمة كلامها عميق دائما.
سألها بلطف لكنه كان أقرب إلى الاعتراف
وهل ترين أنه كلام صحيح
أجابت سريعا وهي تحدق في الشاي
بالطبع لكن ليس كل القلوب تملك الشجاعة للاعتراف بما تشعر.
أسدل الصمت ستاره من جديد
لكن هذه المرة لم يكن صمتا عابرا
كان صمتا يلامس الحقيقة مباشرة.
وبينما كان رافاييل على وشك أن يقول شيئا شيئا ربما كان سيغير كل شيء بينهما رن هاتفه فجأة. نهض سريعا وهو ينظر إلى الشاشة ثم قال
بنبرة منزعجة
المحقق يريد التحدث بشأن الإجراءات القانونية المتعلقة بباربارا.
قالت مارينا بهدوء يشوبه القلق
اذهب هذا مهم.
خرج من المطبخ لكنه قبل أن يغادر تماما توقف لحظة واستدار نحوها وهمس بنبرة دافئة
سأعود لا تبتعدي كثيرا.
بقيت مارينا واقفة في مكانها وقلبها يخفق بقوة كأنه يقف على حافة اعتراف كبير اعتراف يدفعها القدر نحوه خطوة بعد خطوة. كانت تخشى ما تشعر به بل تخشى ألا يكون الشعور متبادلا.
ابتعد رافاييل في الممر وهو يضع الهاتف على أذنه وسمعته تقول
نعم حضرة المحقق بالطبع أنا متاح الآن.
اختفى صوته شيئا فشيئا بينما بقيت هي تحدق في خيوط البخار المتصاعدة من كوب الشاي وكأن هذا البخار انعكاس لارتباك داخلي لا تعرف كيف تهدئه. رفعت الكوب بيد ارتجفت قليلا وارتشفت رشفة صغيرة ثم جلست لكن قلبها ظل في حالة اضطراب.
كانت تستعيد في ذهنها نظرته الأخيرة نبرة صوته تلك الجملة التي قالها قبل أن يخرج
سأعود لا تذهبي بعيدا.
لم تكن كلمات عابرة كانت تحمل ما لم يخطر لها أن تسمعه منه يوما. شعور جعل مخاوفها تتلاشى شيئا فشيئا وجعلها تتساءل هل يدفعها القدر نحو لحظة لا يمكنها بعد اليوم الاختباء منها
وفي خضم شرودها انفتح باب غرفة السيدة مارتا ببطء.
هرعت مارينا إليها فوجدتها تستند إلى الحائط محاولة التقدم بخطوات متعبة.
قالت مارينا بقلق واضح
سيدتي كان عليك أن ترتاحي.
ابتسمت السيدة مارتا ابتسامتها الرقيقة التي تذيب نصف الهموم
لا أريد أن أبقى وحدي أشعر بالأمان حين أكون قريبة منكما.
ساعدتها مارينا حتى جلست في الردهة ووضعت وسادة خلف ظهرها. بدت السيدة مارتا تهدأ قليلا لكن عينيها ظلتا معلقتين بالباب الذي خرج منه ابنها.
قالت بصوت مفعم بالأمومة
هو يتألم أكثر مما يحاول إخفاءه.
جلست مارينا إلى جانبها وقالت
هذا طبيعي ما مر به كان قاسيا للغاية.
هزت السيدة مارتا رأسها ببطء
لا أتحدث عن باربارا فحسب أتحدث عن قلب ابني يا مارينا. قلبه لم يعد يثق بسهولة.
تجمدت مارينا للحظات فالكلمات أصابت ما كانت تخشاه في العمق. قالت متظاهرة بالثبات
سيحتاج للوقت وسيشفى بإذن الله.
ابتسمت السيدة مارتا وكأنها ترى أبعد مما ترى مارينا
الوقت وحده لا يشفي القلب يحتاج لمن يعيد إليه الطمأنينة. والطمأنينة لا تأتي صدفة بل يرسلها الله على هيئة أشخاص.
أطرقت مارينا برأسها وقالت بخجل
لا أظنني الشخص المناسب لمثل هذا.
ضحكت السيدة مارتا بخفة
أنت أكثر من يفهم الحكمة ولهذا أنت خائفة.
رفعت مارينا عينيها بسرعة غير قادرة على احتمال ما تسمعه. لكن لحسن حظها سوءهفتح باب القصر في تلك اللحظة.
عاد رافاييل بخطوات بطيئة ثقل المكالمة ظاهر في ملامحه. لكن تعبه ما لبث أن خف قليلا حين رأى والدته جالسة و مارينا إلى جانبها.
اتجه نحوهما وانحنى ليقبل جبين والدته
أتمنى ألا يكون خروجك
قد أتعبك.
ردت بابتسامة مطمئنة
أردت فقط أن أكون قريبة منكما هذا كل ما في الأمر.
جلس بقربها ثم نظر إلى مارينا نظرة امتنان لا تخفى وقال بملاطفة
أخبرتك أمي
تم نسخ الرابط