ترتجف وبطنها خاوٍ

لمحة نيوز

"ترتجف وبطنها خاوٍ، تصل فتاة فقيرة إلى مستشفى فاخر، تتوسّل طلبًا للمساعدة. وبين الدموع، تُقال جملة قاسية يتردّد صداها في الردهة:
"نحن لا نستقبل المتسوّلات هنا."
قالتها الموظفة ببرودٍ قاتل، ثم أشارت بيدها كمن يطرد حشرة مزعجة.
كانت إيزابيلا على وشك الإغماء، فتشبّثت بحافة المكتب كي لا تسقط، تُسحَب بنظرات الاحتقار كأنها شيء منبوذ لا يمتّ للإنسانية بصلة.
لكن…
حين بدا أن الظلام ابتلع كل أمل، ستتحرّك شخصية واحدة فقط لتغيّر مصير الجميع.
كان الألم يتلوّى في بطنها الصغير كوحشٍ بلا ضمير.
قبضت يديها على بطنها المتورّم محاوِلة احتواء ذلك الوجع الذي يزداد قسوة كل لحظة.
لقد مرّت ثلاثة أيام من دون طعامٍ حقيقي، وما كانت تبتلعه يعود خروجًا بسبب المرض والجوع معًا.
ساو باولو حولها كانت مدينة لا تتوقف:
سياراتٌ تعبر بسرعاتٍ جنونية، أبواقٌ مزعجة، ووجوهٌ لا تنظر إلى الخلف أبدًا.
لم يكن أحد يهتمّ بطفلةٍ في الثامنة من عمرها تتمايل فوق

الرصيف كشمعةٍ توشك على الانطفاء.
ستة أسابيع مرّت منذ أن تركت الملجأ القاسي الذي رُميت فيه بعد أن انقلبت حياتها.
وثلاثة أشهر منذ الحادث الذي انتزع والدَيها من العالم، وألقى بها وحيدةً تتشبث بالحياة بأسنانها.
كانت الذكريات تحاصرها:
رائحة البيت الدافئة… يد أمّها التي كانت تنام وهي تمسك بها… ضحكة أبيها حين كان يحملها ويدور بها حتى يدوخا معًا…
كل ذلك تبخّر فجأة، وبقيت الثياب المتسخة والجوع والبرد… والوجع.
عندما لامست قدماها الحافيتان أرضيّة مستشفى سانتا كلارا المصقولة، شعرت برهبةٍ جعلتها تستجمع ما تبقى من قوتها.
المكان كان فخمًا على نحوٍ مبالغ؛
جدران بيضاء تلمع تحت الأضواء الساطعة،
روائح عطور وزهور مرتّبة بعناية،
وأناس بملابس فاخرة يتحركون بثقة وكأنهم يمتلكون العالم.
كانت إيزابيلا نشازًا مؤلمًا وسط هذا الترف.
سارت ببطء نحو مكتب الاستقبال، تترك خلفها آثار الطين، وكأن خطاها تُعلن وجود دخيلة غير مرغوب بها.
خلف المكتب كانت
فرنندا، الموظفة الجديدة التي لم يمضِ على تعيينها سوى أسبوعين، مشغولة بترتيب ملفاتها وكأنها تصنع لنفسها مكانًا في طبقةٍ أعلى مما تستحق.
التوت ملامحها من الاشمئزاز عندما سمعت صوت بكاءٍ خافت.
رفعت نظرها… فإذا بطفلة أشعث الشعر، ملوّثة الثياب، تعتمد على المكتب حتى لا تهوي أرضًا.
تسلّق الاشمئزاز حلق فرنندا، وتحوّل إلى غضب:
كيف دخلت هذه القذارة المكان؟!
أين الحرّاس؟!
قالت إيزابيلا بصوتٍ ضعيف:
"أرجوكِ… ساعديني… بطني تؤلمني كثيرًا…"
كانت الدموع تنحدر على خديها، تاركةً خطوطًا نظيفة وسط الغبار.
انحنت من الألم، وارتعش جسدها كله.
دفعت فرنندا لوحة المفاتيح بعيدًا عنها كأن الطفلة ستلوث كل شيء تلمسه، ثم قالت بجفاءٍ لا روح فيه:
"هذا المستشفى ليس للفقراء… هذا مستشفى خاص. اخرجي فورًا."
حاولت إيزابيلا أن تتمسّك بأملٍ أخير:
"ليس لي مكان آخر… أرجوكِ فقط شوفي بطني… أنا خائفة…"
ردّت فرنندا بصوتٍ حادّ، لا يحمل أي شفقة:
"لا يهمّني."
ثم
رفعت الهاتف الداخلي:
"الأمن إلى الاستقبال الرئيسي… حالًا."
وأخذت تحدّق إليها كما لو كانت آفة يجب التخلّص منها،
ثم قالت بصوتٍ أعلى ليصِل إلى جميع من في الردهة:
"هذا مستشفى راقٍ، ولا نستقبل المتسوّلات هنا. اخرجي قبل أن أتصل بالشرطة!"
كانت تلك الكلمات كصفعةٍ على قلب طفلة لم تعد تحتمل المزيد من الخيبات.
ترنّحت خطوة… وأخرى… ثم انهارت ساقاها من الإعياء، فارتطم جسدها الصغير بالرخام البارد بقسوةٍ بالغة.
ارتدّ صوت السقوط في القاعة الواسعة… ثم عاد كل شيء إلى طبيعته.
الناس تنظر ثم تصرف بصرها سريعًا.
البعض يغيّر طريقه كي لا يمرّ بجانبها.
كأنها غير موجودة أصلًا.
زحفت إيزابيلا قليلًا محاوِلة المقاومة، لكن العتمة كانت تقترب من عينيها.
نبضها يضعف… وجسدها يرتجف.
تكوّرت على نفسها، لا تعلم هل الألم هو ما يقتلها… أم القسوة التي واجهتها.
وبينما كانت تستسلم للسقوط النهائي…
بدأ القدَر يكتب صفحةً جديدة.
فالذي حدث في اللحظة التالية…
لم
يكن في الحسبان أبدًا.
https://pub153.lamha.news/57180
 

تم نسخ الرابط