الخادمة التي هزمت الطبيبة المشهورة
الخادمة التي هزمت الطبيبة المشهورة وأنقذت ابن المليونير من الكرسي المتحرك والدمار النفسي
لم تكن أماندا سواريس تتوقع أن الأيام الأولى في عملها الجديد داخل قصر آل بيتينكور ستكون محملة بهذا القدر من التوتر والذهول. كانت تنظف الممر الرخامي اللامع بتركيز تحرص على أداء مهمتها كما ينبغي حتى تترك انطباعا حسنا خصوصا أنها بحاجة ماسة لهذا العمل بعد أن ضاقت بها الدنيا حد الاختناق.
وفجأة شق سكينة المكان صوت صارخ
صرخة صبي يائس اختلط فيها الخوف بالألم
لا أريد! أرجوك توقفي!
توقفت أماندا عن العمل فورا وجفلت يدها عن الممسحة إذ تعرفت على الفور إلى صوت الطفل ماتيوس ابن صاحب القصر دييغو بيتينكور الطفل ذو الثمانية أعوام الذي قيل لها إنه لطيف قليل الكلام يعاني من مشكلة صحية تجعله يستعين بكرسي متحرك.
لم يمض على عملها في القصر سوى ثلاثة أيام لكنها منذ خطت قدمها الأولى داخله شعرت بأن هذا البيت رغم فخامته يخلو من الدفء
بيت تحيط به الكآبة من كل زاوية وكأن الجدران نفسها تبكي ذكرى مفقودة.
ارتفع صوت امرأة تتحدث بحدة خال من أي تعاطف
ماتيوس عليك أن تبذل جهدا! كيف ستتحسن إن لم تحاول!
تجمدت أماندا للحظة إنها الدكتورة فيرونيكا ماركونديس أخصائية العلاج الطبيعي المكلفة بعلاج الطفل. امرأة متعالية منذ اليوم الأول تتصرف وكأنها صاحبة القصر لا كموظفة يتقاضى أجرها شهريا.
لم تستطع أماندا تجاهل نداء الألم الذي اهتز له قلبها فصعدت الدرج بخطوات هادئة. لاحظت أن باب الغرفة موارب فاقتربت بحذر ونظرت من خلال الفتحة الصغيرة
وما رأته أيقظ بداخلها غضبا دفينا لم تشعر به منذ سنوات.
كانت فيرونيكا تمسك بساقي الطفل بقسوة تثنيهما بقوة تفوق حاجته في وضعية تظهر بوضوح أنها تسبب ألما فظيعا. كان ماتيوس يتصبب عرقا وجهه أحمر بشدة ودموعه تنهمر بلا توقف.
كان يصرخ مختنقا
أريد أمي أريد أمي!
فردت فيرونيكا ببرود مميت
أمك ماتت يا ماتيوس! كف عن هذا الدلال!
شهقت أماندا بلا صوت. لم تتصور أن تصل القسوة بامرأة من المفترض أن تكون معالجة إلى هذه الدرجة من الوحشية.
قال الطفل محاولا التوسل بين شهقاته
إنه إنه يؤلمني جدا!
فأجابته دون رحمة
الألم طبيعي! ومن دون ألم لا يوجد تحسن!
لم تعد أماندا قادرة على احتمال المشهد فطرقت الباب بسرعة وقد تصدع صوتها من
عذرا هل يمكنني الدخول
استدارت فيرونيكا بحدة وعيناها تقدحان غضبا
من أنت!
أجابت أماندا بهدوء تحاول تثبيته رغم ارتباكها
أنا أماندا أعمل في التنظيف. أردت فقط الاطمئنان إن كان كل شيء على ما يرام.
زمت فيرونيكا شفتيها بازدراء قائلة
كل شيء على أفضل ما يرام! ولم يطلب أحد حضورك.
لكن نظرة أماندا انزلقت نحو الطفل
نظرة أمومية فطرية لا تخطئ الألم الحقيقي.
ساقاه ترتجفان وصدره يهتز بالبكاء وشفته السفلية ترتعش.
تمتمت أماندا بصوت يرتجف
لكنه يبدو متألما جدا
وكأنها ارتكبت جريمة صرخت فيرونيكا
اسمعيني جيدا يا عاملة التنظيف! أنا درست في أوروبا سنوات طويلة وأتقاضى خمسة وعشرين ألف ريال شهريا. أنا الوحيدة القادرة على علاج هذا الطفل منذ سنة ونصف. هل لديك أي فكرة عن العلاج الطبيعي
أجابت أماندا مع أنها لم تكن ترغب في الخضوع لها
لا يا دكتورة.
فأجابت الأخرى بغلظة أكبر
إذا لا تتدخلي فيما لا يعنيك! هذا الطفل يحتاج علاجا حقيقيا لا شفقة زائدة من خادمة!
غرست كلماتها الحادة في قلب أماندا لكن ما مزقها حقا هو رؤية ماتيوس ينظر إليها كمن يتشبث بآخر خيط نجاة عيناه تلمعان برجاء موجع.
تابعت فيرونيكا باحتقار
أنت لست هنا لتفكري بل لتنظفي فقط!
ثم أمسكت بالطفل من تحت إبطيه بفظاظة ورفعته إلى الكرسي المتحرك دون أدنى رفق.
صرخ الصغير ألما لكنها تجاهلته وهي تقول ببرود
سنكمل غدا. لا فائدة منك اليوم.
ثم أشارت لأماندا مهددة
إن رأيتك هنا مرة أخرى أثناء جلساتي فسأتحدث مع صاحب القصر بشأنك.
غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بقسوة.
وقفت أماندا في الممر لثوان يدها على صدرها تشعر بنبض قلبها يكاد يخرج من مكانه.
وما إن همت بالنزول حتى سمعت صرخة صغيرة تخترق الأبواب
أماندا! عودي! أماندا!
لكن الباب أغلق بإحكام وحبس الطفل داخل سجنه من الألم.
نزلت أماندا الدرج بخطوات ثقيلة وكأن الأرض تسحبها نحو الحزن.
لم تستطع التوقف عن التفكير في ملامح ذلك الصغير في جسده الذي يعجز عن النهوض وفي قلبه الذي صار أثمن ما يعالج.
في تلك الليلة كانت تنظف غرفة الجلوس حين عاد صاحب القصر من عمله عند السابعة مساء.
رجل طويل القامة ملامحه متعبة يحمل في عينيه ظل خسارة لا تشفى.
قالت بأدب
مساء الخير سيد دييغو.
رد دون اهتمام ظاهر
مساء النور كيف كان يومك
ترددت
هل
هل ستتسبب لنفسها بالمشكلات
لكن صوت ماتيوس كان لا يزال يتردد في أذنها فقررت المواجهة مهما كانت العواقب.
قالت بخفوت
سيدي هل يمكنني سؤالك عن ماتيوس
توقف دييغو عن صعود الدرج التفت إلى أماندا وعيناه تتقلبان بين الفضول والانزعاج
أي نوع من الأسئلة
تجمعت الكلمات في حلقها قبل أن تتمكن من قولها
هل كان ابنك يستعمل الكرسي المتحرك دائما
كانت لحظة عابرة لكنها بدت كشرارة تشعل غضبا مكتوما.
نزل بضع درجات باتجاهها وملامحه تزداد حدة
ولماذا تريدين معرفة ذلك
ابتلعت أماندا ريقها بصعوبة وهي تجاهد لتبدو واثقة
لأنني رأيته اليوم أثناء جلسة العلاج كان يتألم كثيرا بشكل لا يبدو طبيعيا.
رد ببرود يكاد يجمد الهواء
الألم جزء من علاجه أنت لا تفهمين هذه الأمور.
لكنها لم تتمكن من التزام الصمت
لقد سمعت صرخات ذلك الطفل تحرق روحها.
سيدي صراخه كان لا يحتمل. بدا وكأنه يتعذب.
اقترب منها أكثر حتى شعرت بثقل أنفاسه
ابني يعاني من ضمور عضلي مفاجئ سببه صدمة نفسية.
لم تخف ذهولها
صدمة
أومأ بحزن قاتم
حين توفيت أمه في حادث قبل عامين كان هو الشاهد الوحيد. رأى الدم والموت رأى كل شيء.
اتسعت عينا أماندا ووضعت يدها على صدرها دون وعي
إذن هو رأى أمه تموت أمامه
قال بنبرة منكسرة رغم محاولته إخفاء التأثر
نعم ومنذ تلك الليلة توقف عن المشي. لا توجد أي مشكلة عضوية تمنعه لكن ساقيه ترفضان التحرك.
ثم أضاف بصوت منخفض
أنفقت ثروة على العلاج نصف مليون ريال. فيرونيكا هي آخر أمل عندي.
رغم كل ما قاله لم تهدأ مشاعر أماندا بل زادت إصرارا. قالت بصوت مرتجف قليلا
سيدي هل لي أن أقول رأيا
هز رأسه متحفزا
تكلمي.
تنفست ببطء قبل أن تفجر الحقيقة التي شعرت بها من أول لحظة
مشكلته ليست في ساقيه بل في قلبه. طفلك لا يحتاج لمن يضغط عليه أكثر بل يحتاج لمن يحتضنه.
لمع الغضب في عينيه
أنت عاملة تنظيف بينما هي تحمل دكتوراه في الأعصاب. من الأدرى بحالته منا
رغم حدة كلماته احتفظت بثباتها
صحيح يا سيدي لست طبيبة لكنني أعرف جيدا ملامح طفل تحطم من الداخل.
نظر إليها متفاجئا
وماذا تعرفين عن التحطم
تراجعت الذكريات المؤلمة أمام ناظريها
أبوها المسكين على سرير المستشفى صرخة الرحيل منزل تخلت الحياة عن دفئه فجأة
تمتمت بصوت خافت
أنا أيضا فقدت أبي وأنا صغيرة وعرفت
ساد الصمت للحظات بدا دييغو فيها معلقا بين شك وتصديق.
ثم قال بجمود متعمد
أقدر قلقك يا أماندا لكن لا تتدخلي مرة أخرى في علاج ماتيوس. هذا الأمر حساس للغاية.
ردت بهدوء
وما الخطر في أن يجد قلبه من يسمعه
أجاب بنبرة قاسية تخبئ خوفا كبيرا
الخطر في الآمال الكاذبة. إن أعطيته أملا لا يستطيع بلوغه سينهار أكثر مما هو عليه الآن.
في تلك اللحظة دوى صوت شيء يسقط في الأعلى ثم انطلق بكاء ماتيوس بقوة
نظر دييغو إلى السقف وتنهد
هو يبكي هكذا كل ليلة منذ عامين.
قالت بشفقة لا يمكن كبحها
ألن تصعد لترى ما به
أدار وجهه عنها لوهلة قبل أن يتمتم بمرارة رجل مهزوم
لقد حاولت كثيرا لكنه يرفض الحديث معي. يهرب مني وكأنه يحملني مسؤولية ما حدث.
كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها أماندا الأب وراء ملامح صاحب القصر رجلا ممزقا عاجزا خائفا من فشل جديد.
اقتربت منه خطوة وقالت بلطف
سيد دييغو اسمح لي بالصعود إليه. فقط لأطمئن عليه. اعتبرني أما مستعارة لليلة واحدة لا أكثر.
شعر قلبه يتردد ثم يضعف
فهو مهما حاول القسوة يبقى أبا يعيش على أمل واحد أن يبتسم ابنه يوما كما كان يفعل في الماضي.
قال أخيرا
حسنا لكن إياك أن تعديه بأي شيء. لا أريد قلبه أن ينكسر مرة أخرى.
صعدت أماندا الدرج بخطوات مترددة وهي تحاول أن تخفف من صوت احتكاك حذائها بالأرض الخشبية. كانت الممرات الواسعة داخل القصر باردة والجدران العالية تحمل صورا لأشخاص يبتسمون بجمود كأنهم حراس الماضي. تنفست بعمق قبل أن تتابع طريقها نحو غرفة ماتيوس ذلك الطفل الذي حمل له قلبها تعاطفا كبيرا منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها.
كان الباب مواربا فتقدمت ببطء ودخلت. رأت الصبي ممددا فوق السرير ما زال بملابسه التي ارتداها صباحا وجهه غارق في الوسادة وكتفاه تهتزان بارتجاف خفيف. سمع خطواتها فرفع رأسه بسرعة مسح دموعه بطرف كمه وحاول أن يبدو متماسكا.
همست من عند الباب بلطف
مرحبا يا ماتيوس.
نظر إليها بعينين متفاجئتين كأن وجودها لم يكن متوقعا
أنت الموظفة الجديدة
ابتسمت بهدوء يشبه الوعود الدافئة
نعم أنا أماندا. وأظن أنك أنت ماتيوس صحيح
أومأ برأسه دون كلام.
اقتربت وجلست على حافة السرير مراعية ألا تقتحم مساحته الخاصة. ثم قالت بصوت خفيض
لماذا تبكي
ظل ساكتا لحظة ثم خرج صوته مبحوحا كمن يحاول أن ينتزع الكلمات من جرح
كل شيء يؤلمني ساقاي تؤلمانني وقلبي يؤلمني أكثر حتى الاشتياق