الخادمة التي هزمت الطبيبة المشهورة

لمحة نيوز

بات يؤلمني.
تجمدت أنفاسها عند الكلمة الأخيرة. فهمت على الفور أن قلبه ليس مثقلا بالمرض فقط بل بالفقد أيضا. قالت برفق
تشتاق إلى أمك أليس كذلك
لم يستطع إخفاء الحقيقة فالعين لا تكذب. هز رأسه والدموع تتكدس في مقلتيه قبل أن تنساب
نعم لقد ماتت بسببي.
تسارعت ضربات قلب أماندا. لم تكن تتوقع شعورا كهذا ينهش روح طفل. سألته بصدمة مشفقة
ماذا تعني بقولك بسببي
تنهد وكأنه يتحمل وزر العالم
كنا عائدين من المدرسة لو لم أكن أذهب للدراسة لما خرجت من المنزل لما كانت في الطريق لما تعرضت للحادث لو لم أكن موجودا أصلا لما حدث لها شيء.
اتسعت عينا أماندا حزنا فاقتربت ليصبح
وجهها قريبا من مستوى نظره
أنظر إلي يا ماتيوس.
رفع رأسه ببطء كمن يخشى رؤية الحقيقة. قالت بوضوح لا يقبل الجدل
رحيل أمك لم يكن ذنبك أبدا. كان حادثا مؤلما لكنه ليس نتيجة وجودك. بل على العكس وجودك كان أغلى ما في حياتها هدية ثمينة منحها الله لها. لو كانت هنا الآن لمنعت عنك هذا الألم.
ترددت الكلمات فوق شفتيه قبل أن ينطقها
وهل تعتقدين أنها كانت تحبني حقا
ابتسمت أماندا بثقة لا زيف فيها
لم ألتق بها لكنني متأكدة من شيء واحد كل أم تحب طفلها أكثر من نور عينيها. وأمك أينما حلت هي تراك وتريدك سعيدا.
حاول مسح دموعه كما لو أن كلماتها شقت طريقا خفيا إلى قلبه. ثم قال بتردد يحاول التمسك بالأمل
أماندا هل سأتمكن من المشي مرة أخرى
نظرت أماندا إلى قدميه المغطاتين بالغطاء الأبيض ثم قالت بابتسامة لطيفة
دعنا نجري تجربة صغيرة فقط لنطمئن.
قال بخوف ممزوج بفضول
ما هي
سألمس قدمك بخفة فوق الغطاء وأنت تخبرني إن شعرت بذلك أم لا اتفقنا
هز رأسه موافقا. مدت يدها ولمست قدمه اليمنى. فقال سريعا
نعم شعرت بها!
انتقلت إلى اليسرى
وهذه
أيضا أشعر بها.
تنفست أماندا براحة وقالت بحماسة إيجابية
هذا يعني أن الإحساس موجود. والإحساس خطوة أولى بل أهم خطوة نحو المشي.
لم تكد تكمل جملتها حتى سمعا خطوات ثقيلة تقترب عبر الدرج. تبادل الصبي وأماندا نظرة قلق. جاء صوت دييغو ينادي بخشونة
أماندا! هل ما زلت هناك
أجابته من مكانها
نعم يا سيدي دييغو.
دخل الأب الغرفة بنظرات سريعة تفحص الوضع قبل أن يسأل
باهتمام مشوب بالانزعاج
كيف حاله
قالت
أفضل كنا نتحدث قليلا.
سأل بصرامة
عن ماذا
ترددت للحظة لكنها قالت الصدق
عن والدته
ظهر الانزعاج جليا على ملامحه فزم شفتيه وقال بحدة مكتومة
لقد أخبرتك سابقا أنني لا أريد ذكر اسم باتريسيا أمامه فهذا يزيد جراحه.
لكن ماتيوس تدخل بصوت خافت
أبي قالت أماندا إن أمي تريدني أن أكون سعيدا.
تجمد دييغو مفاجأة ثم حول نظره نحو أماندا
هل قلت ذلك
قالت بثقة
نعم يا سيدي وأنا أؤمن بأنه حق.
التفت الابن نحو والده وسأله برجاء
أبي هل تعتقد أن أمي تريدني أن أستطيع المشي مرة أخرى
ابتلع دييغو ريقه بصعوبة لم يجد الكلمات المناسبة فبادرت أماندا بالرد
والدك يؤمن بذلك وأنا أيضا أؤمن بذلك.
نظر دييغو إلى أماندا طويلا وكأنه يحاول قراءة ما خلف كلماتها. ثم قال ببرود يكشف خوفا مخفيا
لا أريد أن تمنحيه آمالا قد لا تتحقق. لقد عانى ما يكفي من الخيبات.
قالت بثبات يشبه الحقيقة
وماذا إن لم تكن آمالا كاذبة ماذا لو استطاع المشي فعلا
توتر فكه وقال
عضلاته ضعفت كثيرا بسبب توقف استخدامها. هذا مرض حقيقي.
أجابته بثقة هادئة
طالما ما زال يشعر فهناك فرصة لإعادة الحياة إليها.
تردد صوت في داخله لكنه قال بصرامة دفاعية
الأمر أكثر تعقيدا مما تظنين.
فأجابته بابتسامة حزينة
أحيانا الحلول البسيطة هي التي تغير كل شيء.
واصل دييغو النظر إلى أماندا طويلا وكأنه يحاول أن يفهم من أين تأتيها تلك الشجاعة في الحديث عن شيء يخاف الاقتراب منه. ثم قال فجأة وبصوت خافت كأنه سؤال يهرب منه منذ زمن
هل لديك أطفال يا أماندا
هزت رأسها نفيا
لا لكنني اعتنيت بكثير من الأطفال وكل واحد منهم ترك في قلبي درسا.
ثم تابعت تتذكر
ابن خالتي مثلا توقف عن الكلام بعد وفاة والده. أخذه الكبار إلى أطباء ومعالجين لكن شيئا لم يتغير. وحين بدأت أمه تتحدث معه يوميا عن والده تبكي معه أحيانا وتضحك معه أحيانا أخرى شعر بأنه ليس وحده في حزنه وبعد ستة أشهر عاد يتكلم.
هز دييغو رأسه ببطء
حالة ماتيوس مختلفة إنها ليست نفسية فقط بل جسدية أيضا.
رفعت أماندا حاجبيها وسألته
أمتأكد من ذلك تماما
لم يمهله القدر ليجيب إذ جاء صوت الطفل من الداخل ينادي بقلق
أماندا هل
ستذهبين
تبادلا نظرة سريعة ثم دخلا مجددا إلى الغرفة. اقتربت منه أماندا وربتت على كتفه
لن أذهب الآن يا عزيزي.
قال بصدق طفولي يهز القلب
أنت مختلفة عن الجميع لماذا لا تتركيني مثل الآخرين
نظرت إلى عينيه مباشرة وقالت بحنان صاف
لأنني أحبك ومن يحب لا يترك من يحبه.
كانت تلك العبارة كضوء اخترق ظلامه لكنها أيضا زرعت بذرة غير مرئية داخل قلب دييغو الذي كان يستمع بصمت.
في اليوم التالي ومع حلول الثانية بعد الظهر كانت أماندا تنظف الممر العلوي عندما سمعت خطوات فيرونيكا تتجه نحو غرفة ماتيوس. وقفت خلف الباب تسمع كل شيء دون أن ترى شيئا.
قالت فيرونيكا بلهجة حازمة خالية من أي دفء
اليوم سنحاول الوقوف لدقيقتين.
رد الطفل بخوف واضح
لا أستطيع يا دكتورة
قالت بصرامة
أنت لم تحاول بعد.
لكنني أعرف أنني لا أستطيع.
نفد صبرها فرفعت صوتها
توقف عن هذه الأفكار السلبية وتعاون!
سمعت أماندا صوت الكرسي المتحرك يسحب بقوة وشهقات ألم تخترق الصمت. قال الطفل متألما
إنه يؤلمني أرجوك
ردت بلا رحمة
تحمل قليلا!
لا أريد المزيد
صرخت في وجهه
إن لم تتعاون فلن تمشي أبدا!
احتبس صوت ماتيوس في جوفه لحظة قبل أن ينفجر يائسا
إذن لن أمشي أبدا!
لم تستطع أماندا الصمت أكثر. فتحت الباب ودخلت قائلة
دكتورة إنه يتألم حقا.
نظرت إليها فيرونيكا بغضب مشتعل
أنت مرة أخرى ألم أحذرك من التدخل
أعلم لكن
قاطعتها بنبرة قاسية
اخرجي فورا.
نظر إليها ماتيوس مذعورا ونطق برجاء يكاد يقطع القلب
لا تذهبي يا أماندا
فقالت حازمة
لن أذهب يا صغيري.
صرخت فيرونيكا بعصبية فقدت معها كل اتزانها
بل ستذهبين! وإن لم تغادري الآن فلن تدخلي هذا البيت مجددا!
تمسكت أماندا بثبات
هذا الطفل بحاجة إلى الحنان بقدر حاجته للعلاج.
ضحكت فيرونيكا بسخرية
حنان أنا لست هنا لأدلله. أنا هنا لأجعله يمشي!
سألتها أماندا مباشرة وبلا خوف
ومنذ سنة ونصف هل تقدم خطوة واحدة
سادت لحظة صمت كالسوط. اشتعلت عينا فيرونيكا غضبا
كيف تجرئين على التشكيك في عملي
قالت أماندا بنبرة عقلانية لا تحد فيها
أنا لا أهاجمك فقط أسأل هل تحسنت حالته فعلا
ردت فيرونيكا بصوت مرتفع
أنت خادمة لا تفهمين الطب ولا علم النفس ولا صدمات
الأطفال. مكانك ليس هنا!
تنفس ماتيوس بصعوبة وفهم لأول مرة أن هناك من يدافع عنه بلا مصلحة. قال بصوت يرتجف
أماندا أرجوك ابقي.
هنا فقدت فيرونيكا سيطرتها واتصلت بدييغو
سيدي موظفتك تتدخل في عملي وتعرقل تقدم الجلسة. عليك أن تأتي فورا.
لم يمر وقت طويل حتى دوى صوت خطوات غاضبة على السلم. دخل دييغو الغرفة وكأنه عاصفة
ماذا يحدث هنا!
سارعت فيرونيكا بالرد
موظفتك اقتحمت الجلسة شككت في عملي وأهانتني!
تحولت عينا دييغو نحو أماندا كقاض ينتظر الدفاع
هل هذا صحيح
قالت بثبات وإن كان صوتها يرتجف قليلا
فقط تدخلت لأن ماتيوس كان يتألم بشدة
قاطعها بصرامة جارحة
وهل تظنين نفسك أدرى من طبيبة متخصصة!
لم أقل ذلك يا سيدي
لكن فيرونيكا قطعت عليها الكلام
عليك أن تختار الآن علاجي المهني أو كلام هذه العاملة!
نظر دييغو إلى ابنه وقد أدرك أن القرار سيترك ندبة في قلب الصغير. قال
ماتيوس ما رأيك أنت
رفع الطفل عينيه الممتلئتين بالدموع
أبي أماندا طيبة معي أما الدكتورة فهي تريد أن تمشيني لتكون فخورا بي لكنها تؤلمني كثيرا.
حاول دييغو تبرير الأمر
الألم جزء من العلاج يا بني.
فتدخلت أماندا بصوت خافت لكنه واضح
ليس بالضرورة أن يكون العلاج بهذه الوحشية
صرخت فيرونيكا
إنها تشكك في عملي أمامك!
أغلق دييغو عينيه بقوة كمن يتلقى ضربات متتالية من الواقع ثم قال الكلمة التي هوت على الجميع كالسيف
أماندا أنت مطرودة.
صرخ ماتيوس بقوة
لا يا أبي!! لا تطردها!!
لكن القرار كان قد نطق.
تجمدت أماندا في مكانها غير مصدقة
مطرودة
قال دييغو ببرود قاس يخفي خوفا أعمى
خالفت ثقتي والآن غادري.
ارتفعت صرخة ماتيوس تشق الجدران
أماندااا! لا ترحلي!!
هربت أماندا بدموع موجعة إلى الطابق السفلي تجمع أشياءها المرتعشة. اقتربت منها مارتا الخادمة الأخرى وربتت على كتفها
أعلم أنك أردت مساعدته فقط
ردت أماندا بصوت مكسور
كل ما أريده هو حماية هذا الطفل
قالت مارتا بحزن عميق
السيد دييغو يثق بفيرونيكا أكثر مما يثق بقلبه أما ماتيوس فلا أحد يسأله ماذا يشعر.
وقفت أماندا ممسكة حقيبتها والدموع تثقل وجهها ثم قالت بعزم لم يمت
هذا الطفل يفهم ويتألم ويستحق أن ينقذ.
ثم خرجت لكن قلبها بقي
هناك مع طفل وحيد يبحث عن من يؤمن به. 
غادرت أماندا القصر بخطوات متثاقلة وصدى بكاء ماتيوس يتردد خلفها من قلب الممرات الباردة. كل خطوة كانت تشبه خنجرا يغوص في صدرها لكنها لم
تم نسخ الرابط