لم تنطق منذ ولادتها إلى أن جاء طفل فقير وغيّر مصيرها
المحتويات
يطرد هنري الفتى
على العكس تماما
أدخله إلى الحديقة الخلفية وجلس أمامه على طاولة خشبية بسيطة بينما إيفا تجلس على مقعد قريب تراقب الاثنين بصمت جديد مختلف صمت من يستمع لا صمت من يعجز عن الكلام.
قال هنري
مالك من أين أتيت
أجاب الفتى
من الحي الثالث.
شهق هنري تقريبا دون صوت
الحي الثالث كان معروفا بالجرائم والفقر المدقع والإهمال الرسمي حي لا يدخل إليه أحد من أمثاله إلا برفقة حراسة أو في نشرات الأخبار.
ومن تعيش معه هناك
سأل هنري.
أجاب مالك بعد تردد قصير
كنا نعيش أنا وأبي وأمي قبل أن تموت.
توقف للحظة ثم أكمل
الآن أعيش وحدي تقريبا.
لم يسأله هنري عن تفاصيل تفيض وجعا
لم يسأله كيف يأكل وأين ينام وكيف يدافع عن نفسه في منطقة لا ترحم الضعفاء.
لكن السؤال الأكبر كان يحترق في رأسه
كيف جعلت إيفا تتكلم
قال مالك ببساطة
ما عملت شي يا سيدي جلست جنبها سألتها إذا بتحب الشطائر.
هزت رأسها فقلت لها لو بتحبي الشطيرة قولي لي كلمة واحدة بس وأنا أصدقك.
ثم ابتسم بخفة
ما كنت متوقع أنها فعلا راح تحاول.
كان يروي الأمر كأنه حكاية عادية بينما بالنسبة لهنري كان ما حدث انقلابا كاملا في حياته.
مرت أيام قليلة
وتحول وجود مالك في القصر من حادثة غريبة إلى واقع يومي.
لم يكن يعيش هناك بشكل رسمي لكنه كان يأتي كل يوم تقريبا من البوابة الخلفية غالبا في ساعات متفرقة.
كانت مارغريت مديرة المنزل تنظر إليه في البداية بحذر ثم بدأت تتعامل معه على أنه جزء من نظام البيت دون أن تعترف بذلك صراحة.
إيفا أصبحت تنتظره
كانت تجلس قرب النافذة المطلة على الحديقة الخلفية وتراقب الطريق الذي
مع مرور الوقت أصبحت كلماتها أكثر
لم تتحول فجأة إلى طفلة ثرثارة لكنها بدأت تلتقط مفردات جديدة تختارها بعناية تقولها ببطء كمن يختبر عالما لم يعتده بعد
كلمة بابا
كلمة مالك
كلمة شمس
وحتى كلمة لا عندما لا تريد شيئا.
كان هنري يراقب هذا التحول بعينين متعبتين لكن قلبه بدأ يستيقظ من صدمة قديمة كانت تجمده.
في إحدى الأمسيات استدعى مالك إلى مكتب في الطابق العلوي مكتب أصغر من غرفة المراقبة لكن فيه نافذة واسعة تطل مباشرة على الحديقة حيث تلعب إيفا تحت مراقبة الخدم.
جلس هنري على كرسيه الجلدي وأشار للفتى أن يجلس على الكرسي المقابل.
بدا مالك متوترا لكنه لم يرفض.
قال هنري
هناك شيء لا أفهمه أنت لم تأت إلى هنا صدفة أليس كذلك
تصلب جسد مالك للحظة.
سادت دقيقة من الصمت لا يسمع فيها سوى صوت عقارب الساعة.
ثم قال بهدوء
في البداية نعم كنت أبحث عن أي مكان أجد فيه طعاما أو زاوية أرتاح فيها من ضوضاء الحي.
سكت قليلا ثم تابع
لكن لما شفت إيفا عرفت إن الموضوع مو صدفة بالكامل.
تقلصت عينا هنري
ماذا تقصد
أجاب مالك وعيناه تلمعان بذكرى بعيدة
لأن عندي أخت كانت مثلها
شرح مالك بصوت هادئ
أختي ليلى كانت أصغر مني بسنتين ما كانت تحكي كثير. كانوا يقولون إنها عندها مشكلة وإنها تحتاج دكتور لكن ما كان في فلوس. أحيانا كان أبي يتعصب لما تحاول تناديه فيصرخ عليها دون قصد ومع الوقت صارت تخاف من الكلام.
تنهد
كنت أنا الوحيد اللي يجلس جنبها ويسمعها وهي تحاول تهمس ما كانت
خفض صوته أكثر
ماتت وهي صغيرة ومن يومها لما أشوف طفل ساكت أحس إن السكوت مو مرض السكوت صرخة بس بلا صوت.
شعر هنري بشيء يخنقه من الداخل
كأن كل كلمة يقولها مالك هي مرآة لما عاشته إيفا طوال السنوات الماضية.
قال بصوت مبحوح
يعني أنت لم تتعلم هذا من كتب أو أطباء بل من حياتك
ابتسم مالك ابتسامة قصيرة لم تدم طويلا
من الفقر ومن الخسارة.
مرت لحظات صامتة قبل أن يمد مالك يده إلى جيبه ويخرج شيئا صغيرا ملفوفا في منديل مهترئ.
في شي لازم يرجع لك
قالها وهو يضع المنديل على المكتب.
فتح هنري القماش بيدين بطيئتين يتحسس شيئا معدنيا صغيرا
فجأة اتسعت عيناه
كان العقد الفضي الصغير المستدير الذي يعرفه جيدا
نقش على طرفه اسم Eva.
شعر هنري كأن الوقت يعود به سبع سنوات إلى الوراء
إلى غرفة المستشفى
إلى ابتسامة زوجته وهي تضع العقد في رقبة الرضيعة حديثة الولادة وتقول له
أريدها أن تحمل اسمها على صدرها دائما حتى لو لم أكن موجودة.
هذا العقد نفسه
هو الذي اختفى ليلة الحادث المشؤوم الذي حطم كل شيء.
قال الأطباء إنه ضاع أثناء نقل إيفا من موقع الحادث إلى المستشفى وربما سقط أو انقطع أو ضاع في الظلام.
بحث عنه هنري في كل مكان ولم يجده.
ومع الوقت تحول العقد إلى رمز يؤلمه بمجرد أن يتذكره فدفن ذكرى ضياعه في أعماق عقله.
والآن
ها هو يعود إليه في يد طفل من الحي الثالث.
رفع هنري رأسه بصوت مخنوق
من أين حصلت على هذا
أجاب مالك بصراحة وإن كان صوته يرتجف قليلا
وجدته في بيت
تجمد هنري
الرجل الذي كان يقود السيارة التي اصطدمت بسيارتنا
أومأ مالك
نعم كان يسكن في الحي الثالث وكان عنده سمعة سيئة. وأبي كان يشتغل معه أحيانا.
شعر هنري أن الأرض تميد به تحت قدميه
كيف
شرح مالك
أبي كان يقول إنه مجرد سائق مساعد يوصله وينتظره ياخذ منه نقود قليلة مقابل خدمات بسيطة. لكن في الفترة الأخيرة قبل ما يموت الرجل كان يتصرف بغرابة يخبي أشياء يحكي في الليل بكلام مو مفهوم.
ابتلع ريقه قبل أن يكمل
بعد ما مات دخلت بعض الوجوه الغريبة البيت قلبوا المكان فتشوا كل شيء ما تركوا شيئا في مكانه. وبعد ما خرجوا كان العقد هذا لا يزال موجودا كأنه لزق بزاوية من المعطف القديم.
نظر هنري إلى العقد مرة أخرى كأنه يراه للمرة الأولى
ولماذا أخذته أنت
قال مالك
أبي قبل ما يختفي كان يردد وهو مريض العقد رجعوا العقد مو لكم.
كنت أظن أنه يهذي بس لما شفته وعليه اسم إيفا عرفت إنه ما كان يحكي عن شيء عادي.
عرفت إنه لازم يرجع لصاحبه حتى لو ما عرفوا أنا مين.
ثم أضاف بهدوء
فلما شفت بنتك أول مرة عند الدرج الخلفي وعرفت من الخدم إنها ما بتحكي عرفت إنها إيفا نفسها عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد شطيرة.
لم يكن أمام هنري سوى أن يصدق
لم يكن أمامه سوى أن يعترف أن هذا الفتى لا يحمل فقط مفتاح صوت ابنته بل يحمل أيضا خيطا يقوده إلى حقيقة ما حدث في ليلة الحادث.
في الأيام التالية بدأت قطع أخرى من اللغز تظهر
تحدث مالك عن أبيه وكيف كان في أواخر أيامه يهمس بأسماء لا يعرفها وعن رجال كانوا يأتون إلى الحي في سيارات سوداء يتحدثون عن
تذكر هنري أن زوجته قبل وفاتها كانت تعمل في شركة كبيرة وتحدثت معه أكثر
متابعة القراءة