محامٍ شهير يكشف القضية التي قلبت حياتي
دخل علي في ذلك الصباح رجل شاحب الوجه باهت الملامح وكأن الحياة نزفت من عينيه ما يكفي ليتركه مجرد ظل لإنسان جلس أمامي دون أن ينطق بكلمة كأنه يخشى أن تنهار أنفاسه لو تحرك صوته انتظرت قليلا ثم رفع رأسه بخجل وتردد وقال بصوت متهدج
أريد منك أن تتولى الدفاع عن زوجتي
رمقته باستغراب فمثل هذا الطلب لا يأتي عادة برهبة كهذه سألته بهدوء
خير ما الذي فعلته زوجتك
أغمض الرجل عينيه وكأنه يجمع ما تبقى له من شجاعة تنفس بعمق ثم قال
زوجتي متهمة بأنها تسببت دون قصد في حادث فقدت فيه ولدي الاثنين
تجمدت الكلمات في الهواء لم أفهم في البداية أو ربما رفض عقلي أن يستوعب حجم المصيبة زوج يطرق باب محام ليطلب منه الدفاع عن زوجته التي يتهمونها بالتسبب في موت أعز ما يملك! وحده هذا المشهد كفيل بترك أي إنسان صامتا مذهولا عاجزا عن التفكير
رفع الرجل بصره نحوي في تلك النظرة كان هناك خراب مدينة وانطفاء عمر كامل
ثم بدأ يحكي
حكايته التي كانت بداية صراع بين العقل والقلب بين الاتهامات الظالمة والحقائق المدفونة بين القدر وقسوته
قال
كنت متزوجا من سيدة
توقف لثوان وكأنه يراقب في ذاكرته صورا لا يريد أن تنتهي ثم أكمل
بعد فترة طويلة من الوحدة تزوجت من جديد زوجتي الحالية والله يا أستاذ من أطهر وأنقى القلوب أحبت ولدي حبا خالصا حبا فطريا لا تصطنعه المجاملة احتضنتهما كأنهما قطعة من روحها كانت تقوم بواجباتها تجاههما وأكثر لم تفرق يوما بينهما وبين أطفالها الذين لم ترزق بهم بعد
راح الرجل يسرد تفاصيل صغيرة لكنها كانت تعني له كل الحياة
كيف كانت توقظ الطفلين بابتسامة تجهز فطورهما كل صباح تلاحقهما بخوف الأم على أولادها وكيف تعلقا بها تعلقا وثيقا يفوق الوصف
ثم فجأة تغير صوته
وحل الصوت المكسور مكان الحديث الحميم
وفي يوم لم يكن بالحسبان مرض ابني الأكبر فجأة نقلناه إلى المستشفى مسرعين لكن إرادة الله كانت أسرع رحل طفلي وترك في قلوبنا كسرة
صمت
ثم أخذ يمسح دمعة أفلتت رغما عنه
لم يكد الحزن يجف حتى جاء الحزن الأكبر بعد شهرين فقط سقط ابني الأصغر مغشيا عليه نفس المستشفى نفس الركض نفس الرعب لكن هذه المرة شك الأطباء فالأسباب لم تكن واضحة
الصدمة هنا كانت ساحقة فحين فقد الابن الأول قال القدر كلمته لكن أن يتكرر الأمر هنا لم يعد الصمت كافيا
تابع بصوت مختنق
فتحت التحقيقات وأعادوا تشريح جثمان ابني الأول ظهرت نتائج متشابهة وفاة غير طبيعية وهنا لم يجدوا أمامهم سوى زوجتي لأنها الأقرب إليهما والأكثر تواجدا معهما
نظر إلي كأنه يستنجد بعقلي
قبضوا عليها وقالوا إنها قتلت أولادي
انحنى رأسه نحو الأرض وقال
لكني أعرفها والله أعرفها مستحيل تفعل شيئا كهذا مستحيل
كل الأدلة كانت تشير إليها
كل الأوراق تثبت الاتهام
حتى أنا كمحام لم أجد شيئا واحدا أستطيع أن أتمسك به دفاعا عنها
ومع ذلك كان الرجل متشبثا بإيمانه بها
يتدلى بين اليأس واليقين
لكن قلبه لم يخذله
قال بلهجة تفيض أملا
يمكن كل الناس شايفينها مجرمة إلا أنا أنا شايف الحقيقة شايف الطيبة اللي
ظللت أبحث أقلب الأوراق أفتش في أي ثغرة ممكن أن تنقذها دون جدوى
وظلت الحقيقة تائهة
إلى أن جاءت صدفة كتبت بيد السماء
في يوم دخلت معلمة اللغة العربية لطفله الثاني إلى البيت تحمل بيدها دفاتر تخص طلابها سلمت الأب كراسة تعبير قالت إنها آخر ما كتبه ابنه قبل رحيله
ربما تحب الاحتفاظ بها يا سيدي إنها ذكرى غالية
أخذها الرجل وألقى نظرة عابرة
لكن تلك النظرة لم تكن عابرة على قلبه
كان موضوع التعبير عن عيد الأم بتاريخ ٢١ مارس
وهنا كانت المفاجأة
لم يكتب الطفل عن والدته الحقيقية
بل كتب عن زوجة أبيه!
كتب عنها بحنان أطفال وصدق لا يعرفه إلا الأنقياء
كتب كيف كانت الأقرب إلى قلبه والأحرص على حياته وكيف كانت تحيطه بالاهتمام والحب
وكيف كان يدعو الله أن تكون هي أمه الحقيقية
لم تكن كلمات واجب مدرسي
كانت شهادة من روح بريئة قبل أن تصعد إلى بارئها
حين قرأ الأب تلك الأسطر
بكى كما لم يبك في حياته
بكى لأنه وجد الحقيقة في آخر كلمات ابنه
بكى لأنه آمن ببراءتها وحده
وبكى لأنه تأكد أنه لم يكن
انطلق مسرعا إلي وهو يحمل الدفتر كأنه