محامٍ شهير يكشف القضية التي قلبت حياتي

لمحة نيوز

يحمل كنزا
ولم يكن يدري أن تلك الصفحات الصغيرة
كانت بوابة النجاة 
وضعت الكراسة أمامي على المكتب وقلبت صفحاتها بترقب كل جملة كتبها الطفل كانت كورية من نور تزيح الظلام عن قلب تلك المرأة لم يكن ذلك دليلا قانونيا مباشرا ولكنه كان دليلا إنسانيا لا يمكن التغاضي عنه في عالم العدالة هناك أشياء أكبر من الحبر والورق هناك حقيقة تنطق بها البراءة دون أن تحتاج إلى محام 
في الجلسة التالية وقفت أمام منصة القضاء وأنا أحمل الدفتر كما يحمل المرء أمانة طفل لا يجوز خيانتها نظرت إلى القاضي نظرة رجل لا يدافع عن متهمة بل عن روح ظلمت 
قلت بثبات لم أعرفه في نفسي من قبل 
يا سيادة القاضي هذه آخر كلمات كتبها الطفل قبل رحيله بأيام قليلة كتب عن الإنسانة التي تتهمونها اليوم بأنها السبب في موته صفها بالحنان والحب والرعاية وصفها بأنها كانت الأمان حين يخاف والكتف حين يضعف فهل يعقل أن تكون من أهدت له تلك المشاعر هي من انتزعت منه الحياة
ساد الصمت القاعة
ثم طلبت استدعاء معلمة اللغة العربية 
وقفت المعلمة أمام القاضي وبدا على وجهها أثر الحزن والحنين سألتها سؤالا
واحدا 
هل هذا التعبير بخط يد الطفل
أجابت بلا تردد 
نعم يا سيادة القاضي لم أتدخل إلا في تصحيح بعض الأخطاء الإملائية أما المشاعر والعاطفة فهذه كلماته وحده كان دائما يتحدث عن زوجة أبيه عن حبها له وعن خوفه من أن يفارقها يوما 
عم الصمت مجددا
لكن هذه المرة كان صمتا مهزوما أمام الحقيقة 
القاضي الذي كان يظن أن القضية محسومة بدأ الشك يطرق قلبه بعنف قرر إعادة التحقيق في كل التفاصيل التي كان يظنها واضحة لم يعد أي شيء كما بدا في البداية وأحيانا الحقيقة لا تتكشف إلا حين يصر أحدهم على رؤيتها 
بدأت التحقيقات من جديد هذه المرة بعمق وبلا افتراضات مسبقة 
ومع كل سؤال كانت خيوط سوداء تظهر من جهة أخرى 
خيوط لا تمت لزوجة الأب بصلة بل تشير إلى شخص آخر
إلى الأم الأولى 
تحرك المحققون نحوها بعد أن بدا أن الصدفة تتكرر في الحادثتين بطريقة غير منطقية فكانت هي آخر من تواصل بشكل مباشر مع الطفل الأكبر قبل موته أعادت التحقيقات بناء الأحداث خطوة بخطوة حتى وصلت إلى الحقيقة التي لم يكن أحد يتوقعها 
في يوم وفاة الابن الأكبر
أعطته والدته قطعة
حلوى كهدية لزوجة أبيه مدعية أنها من مصروفه أوصته ألا يأكل منها الطفل بقلبه البريء عاد بها إلى منزله وقدمها لزوجة الأب فقررت الأخيرة مشاركته مع أخيه من باب الحب 
فأصيب الطفلان
ورحل الأول 
ظنت الأم الأولى أن كل شيء انتهى
لكن الخوف غرس أنيابه في صدرها 
خالطها شعور بأن الابن الأكبر ربما قال لأخيه شيئا عن الحلوى ولو بكلمة واحدة 
فقررت أن تعيد الكأس نفسه مرة أخرى 
نفس الطريقة
نفس السم
نفس الجريمة 
لكن هذه المرة كانت العدالة بالمرصاد 
التحليل الطبي كشف أن نوع المادة التي تسببت في وفاة الابن الثاني هي نفسها التي وجدت في جسد أخيه عند إعادة التشريح وهكذا انكشف الغطاء وسقط القناع 
انهارت الأم الأولى في الاعتراف
كانت غيرتها سوداء لدرجة أنها آثرت أن تفقد فلذة كبدها على أن تراهم يحبون امرأة أخرى أكثر منها 
جرح الأنانية حين يتحول إلى حقد يصبح أخطر من المرض والسلاح 
حين أعلنت نتائج التحقيق
وقف الأب مذهولا لا يدري أهي راحة أم وجع مضاعف
كيف يتحمل قلبه أن من جلبت الحياة لطفليه هي نفسها من خطفتها منهما
وكيف يغفر لامرأة
قتلت أمومته قبل أن تقتلهم
أما زوجته الثانية فخرجت من السجن ورأسها مرفوع
خرجت بريئة لا تحمل في قلبها سوى دموع طفلين احتضنتهما بحب ولم تستطع إنقاذهما من شر لم تتوقعه 
حين وقفت بجانب زوجها أمام المحكمة رفع يدها أمام الجميع كمن يعيد الاعتبار لإنسانة ظلمها الظن والبشر والقدر معا قال لها أمام الملأ 
سامحيني لقد ظلمتك بقلبي حين تركت الخوف يتسلل إليه لكن الله لم يتركك وحدك 
نظرت إليه بدموع تتلألأ خلف ابتسامة صغيرة ابتسامة تشبه الغفران 
لم تنته القصة هنا
بل بدأت العبرة 
هذه القصة ليست عن زوجة أب اتهمت ظلما
ولا عن أم قتلتها الغيرة المريضة قبل أن تقتل أبناءها
بل عن العدالة التي تسير ببطء لكنها حين تصل
تشفي الصدور وتعيد الحق لأهله 
وتذكرنا 
أن بعض القلوب حين تملؤها الرحمة قد تجرح لكنها لا تنكسر 
وأن الشر حين يأتي متخفيا في ثوب القربى يكون أشد فتكا 
وأن كلمة يكتبها طفل بصدق
قد تنقذ إنسانا من ضياع العمر كله 
وأن الله لا يترك بريئا يواجه ظلمه وحده 
القصة درس خالد 
إن جبر الخواطر عبادة
وأن العدل وإن تأخر
لا يموت 
وأن النقاء مهما تعرض للظلم 
سينتصر بالنهاية

تم نسخ الرابط