كان الدلال محبطًا
كان الدلال محبطا وكلما فشل في بيعها خفض السعر أكثر وأكثر.
كانت أسواق العبيد تعج بالأصوات أرقام ترمى كما ترمى الحجارة. رجال يقيسون الأجساد كما يقيسون ظهور الخيل. القيمة تحدد بعضلات الساعد وبعدد السنوات المتبقية قبل أن يسحقهم التعب.
هناك كان يقف الدلال يلوح بيده قائلا
هذا العبد القوي ثمنه ثمانمائة دولار!
والحصان الجيد بخمسين فقط!
ثم أشار إلى امرأة نحيلة انحنت كتفاها كما لو أنهما تحاولان حماية قلب ممزق
هذه أعرضها مقابل عشرة دولارات!
لم يرد أحد.
تبدلت الصرخة
خمسة دولارات!
ضحكة فظة شقت المكان مثل سكين.
هتف مزارع قاسي الملامح
حتى لو أعطيتني إياها مجانا ستموت قبل أن تصل إلى أرضي!
كان اسمها روث.
ولم تكن قصة حياة بل سلسلة كوابيس تمتد لثماني سنوات طويلة.
بيعت طفلة إلى مزرعة تبغ في فرجينيا وهناك عرفت العبودية بكل أوجه القسوة.
كانت تعمل ثماني عشرة ساعة كل يوم تنحني وتحمل تلتقط أوراق التبغ
ليلا يوقظها السعال الدموي لتتساءل في ظلامها
هل ستصمد حتى شروق جديد
وأشد من المرض كانت القبور الصغيرة التي حفرتها لأطفالها الثلاثة.
لم يكن لهم من نصيب سوى جوع قاتل وسوء تغذية.
دفنتهم وحدها بلا وداع ولا مأوى سوى التراب.
حتى العبيد الآخرون صاروا يتجنبونها.
تمتمات تلاحقها
هذه قدماها في القبر.
روح تتهيأ للرحيل.
لكن ما لم يره أحد أن روحها لم تكن منهارة.
كانت مختبئة خلف
في ذلك اليوم وصل إلى السوق رجل بسيط يدعى توماس ميتشل.
أرمل منذ عامين يكافح لجعل متجره الصغير يستمر في الحياة قبله.
لم يكن يريد الكثير فقط يدا عاملة تساعده.
كان يحمل خمسين دولارا لا غير.
اتجه نحو قسم المرفوضين حيث العبيد الذين تخلى الجميع عن فكرة شرائهم.
وهناك رآها.
قال الدلال موسى هارتويل ساخرا
هذه هنا منذ شهرين! لا أحد يريد شراءها. مريضة وعنيدة أيضا.
هربت من مزرعتها السابقة ثلاث مرات.
رمقها توماس بنظرة سريعة رأى ندوبا لا تخطئها العين بعضها من السياط وبعضها آثار حروق لم يعرف كيف حدثت.
سأل بلا اهتمام
بكم ستبيعها
بصق الدلال على الأرض باحتقار
بدولارين فقط. وحتى هذا السعر خسارة.
ستموت قبل أن تغادر المدينة.
ضحك بعض المشترين كان الأمر مضحكا بالنسبة لهم كيف يشتري أحد جثة تمشي
لكن توماس لسبب لم يفهمه هو نفسه توقف.
هناك في تلك العينين المنطفئتين ومضة ذكاء ليست من هذا المكان.
دون تفكير طويل أخرج قطعتين فضيتين ووضعهما في يد الدلال.
تم البيع!
ضحك موسى
مبروك يا صاحبي لقد ألقيت مالك في النار!
في الطريق كانت روث تمشي بصعوبة.
ورغم وهن خطوتها كانت عيناها تتحركان بسرعة.
تنظر إلى واجهات المحلات تقرأ الأسعار المكتوبة على الأخشاب واللافتات تحفظها كما لو كانت كنزا.
عندما وصلا إلى منزل توماس البسيط خلف متجره الصغير أشار إلى كوخ
وضع أمامها طبقا من الشوفان الدافئ وقال لها بنبرة هادئة
لديك مهمة واحدة الآن
أن تتعافي. لا أريد منك عملا قبل أن تستعيدي حياتك.
كان الأمر غريبا عليها.
ثلاث وجبات يوميا
طعام طازج
كل ما تعرفه هو فتات متعفن ونظرات ازدراء.
لكن الجسد يعرف كيف يلتئم عندما يجد الرحمة.
في أسبوع واحد تلاشى السعال وبدأت الندوب تشفى وعاد الدم يتحرك في وجنتيها.
ثم جاء الأسبوع الثاني
وبدأت المفاجآت.
عاد توماس يوما من توصيل البضائع فوجد متجره قد تغير.
كل شيء أعيد ترتيبه بدقة مدهشة
السلع الجافة في رفوف متقابلة
المعلبات منظمة وفق الصنف
الأدوات تصنف حسب الحجم والاستعمال
وبجانب المجموعات قصاصات ورقية بخط واضح تشرح أسعار البيع والشراء وهامش الربح المتوقع لكل سلعة!
سألها متعجبا
روث أنت فعلت هذا
انحنت برأسها بخجل.
ثم قال مأخوذا
من أين تعرفين هذه الحسابات
همست
كنت أراقب يا سيدي دائما أراقب.
بدأ الفضول ينهش عقل توماس.
ترك عمدا فواتير معقدة على مكتبه وجداول جرد تحتاج إلى مراجعة.
ولما عاد وجدها مصححة وبعض الأرقام إلى جانبها اقتراحات لتحسين البيع!
شيئا فشيئا اكتشف الحقيقة.
روث خلال سنوات القسوة لم تكن تراقب الحياة وهي تسحقها فقط
كانت تراقب تجارة كاملة تدار فوق رؤوس العبيد.
قالت ذات مرة وهي ترتب الأوراق
في مزرعة السيد جيفرسون خسروا 30 من أرباح الموسم لأنهم
تجمد توماس.
كان أمامه عقل تجاري استثنائي.
وفي يوم لاحق وجد بيانا مكتوبا بخط يشبه خطه إلى حد مدهش يتلخص معاملات الأسبوع
حدق في الورقة ثم التفت إليها يسأل
روث هل تعرفين القراءة والكتابة
أصابها الذعر.
ركعت تقبل الأرض وتبكي
أرجوك لا تعاقبني تعلمت خفية من دروس الأطفال البيض.
لو عرفوا لقطعوا لساني!
وقف توماس مذهولا من هذا الكنز الذي لم يدرك قيمته حين دفع ثمنه دولارين فقط.
وبعد شهرين وهي الآن أكثر قوة وصحة اقتربت من طاولته بثبات لم يعتده منها.
قالت بجرأة لم تر في حياتها مثيلا لها
سيدي ميتشل يمكن أن تتضاعف أرباحك ثلاث مرات على الأقل.
أعطني ستة أشهر وسأريك ذلك بالأرقام.
ضحك مرتبكا.
لكنها تابعته بصرامة
أنت تاجر طيب لكنك فاشل في الحساب.
تخسر 40 من ربحك لأنك تشتري في الوقت الخطأ وتضع البضائع في المكان الخطأ وتبيع بأسعار غير منطقية.
وللمرة الأولى لم يستطع إنكار كلمة واحدة.
فسألها
وما الذي تقترحينه إذن
جلست أمامه وهذا كسر لقواعد العبودية وقالت بنبرة خبيرة
أولا نشتري من المنتجين مباشرة.
ثانيا ننظم البضائع حسب المواسم.
ثالثا ننشئ نظام ائتمان للزبائن الموثوقين مع فائدة بسيطة.
رفع حاجبيه من الدهشة.
امرأة كانت على شفا الموت تقدم خطة أعمال مذهلة
وبدأت مرحلة جديدة
روث تقود وتوماس يراقب.
نفذت روث خطتها كما يفعل قائد حرب يعرف أرض المعركة.
تفاوضت
وسرعان ما ظهرت النتائج
الشهر الأول ارتفعت الأرباح 150
الشهر الثاني