ابني همس عند القبر بابا، ماما لسه عايشة جوه التابوت
ابني همس عند القبر بابا ماما لسه عايشة جوه التابوت... فتحناه فاكتشفنا الحقيقة التي حاولوا دفنها معها
لم تمض سوى ساعة واحدة على دفن زوجتي حتى وجدت يد ابني الصغير ذي الأعوام السبعة ترتجف بين أصابعي كعصفور مذعور. كان وجهه شاحبا كأن النهار قد سحب منه واقترب مني حتى كدت أشعر بأنفاسه تختنق في صدره. همس بصوت خافت كأنه يخشى أن يسمعه الهواء نفسه
بابا ماما كلمتني من داخل التابوت.
جمد الدم في عروقي. ظننت في البداية أن الحزن أربك خياله الصغير فالطفل حين يفقد أمه يشتعل داخله خوف لا يهدأ بسهولة. لكن الذعر الذي رأيته في عينيه لم يكن وهما ولا خيالا كان خوفا حقيقيا عميقا يضرب القلب من الداخل. شعرت بانقباض يجتاح صدري وكلمات لا أعرف كيف خرجت من بين شفتي اندفعت دون وعي
احفروا القبر افتحوا التابوت الآن!
كان الحضور ما يزالون متجمعين في المقبرة. بعضهم ودع المكان وبعضهم كان يطوي مقاعد العزاء وعمال القبور كانوا يهمون بالمغادرة حين سمعوا صرختي. التفت الجميع إلي بوجوه مذهولة ظنوا أنني فقدت عقلي وربما كنت قد فقدته فعلا لكن خوف الأب لا يعرف ترددا ولا خجلا.
كانت زوجتي إميلي هارت قد توفيت فجأة في صباح بارد. قال الأطباء إنها سقطت ضحية حدث
لكن حين جلس ابني إيفان بجانبي بعد الدفن وراح يحدق في التراب الجديد بعيون فارغة شعرت بأن شيئا في العالم لم يعد سليما. كانت أصابعه الصغيرة باردة كحديدة موضوعة في الثلج. لم ينطق طوال اليوم سوى تلك الجملة التي هزت عالمي من جذوره.
انحنيت نحوه وقلت برقة محاولة تهدئة
إيفان الحزن يجعلنا نسمع أشياء ليست حقيقية.
لكنه شد كمي بقوة لم أتوقعها من طفل صغير وهتف بصوت متكسر
لا يا بابا! كانت تتكلم ببطء كأنها لا تستطيع التنفس! قالت لي حبيبي قل لوالدك إني ما زلت هنا.
حين قال ذلك شعرت بأن شيئا داخلي قد انكسر جدارا كنت أحتمي به عقلا كنت أتمسك به. المنطق قال إن ذلك مستحيل لكن غرزة الأب الضعيفة المغروسة في صدري رفضت التصديق. في لحظة واحدة وبلا تردد نهضت وصرخت بصوت يائس
احفروا القبر فورا!
اقترب مدير الجنازة مارك سوليفان محاولا تهدئتي وراح يردد بأن هذا غير ضروري وأن الأطباء أكدوا الوفاة. لكنني لم أسمع شيئا. كل ما سمعته كان صوت
عاد العمال وتجمع حولنا الحضور بين مندهش وخائف البعض يتهامسون البعض يبكون وكأن الحقيقة التي على وشك الظهور أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
حين سقطت أول حفنة تراب من فوق القبر أحسست بأن العالم كله يتباطأ وأن كل ثانية صارت سكينا تقطع الهواء. لم أكن أؤمن بالمعجزات ولا بالأصوات القادمة من عالم الموتى لكنني كنت أؤمن بابني وبالطريقة التي كان يمسك بها يدي وكأن حياته تتوقف على قراري.
ظهرت حافة التابوت أخيرا. ارتجفت يداي لأول مرة منذ وفاتها ليس حزنا بل خوفا رهيبا من أن يكون ابني على حق وأن تكون زوجتي لا تزال هناك تصرخ في الظلام بينما العالم يمشي فوقها.
أنزل العمال التابوت على الأرض. بدا صوته المعدني وهو يلامس التراب وكأنه صرخة مكتومة. اقترب مدير الجنازة وهمس محاولة للتماسك
سيد هارت أرجوك زوجتك تأكدت وفاتها من قبل طبيبين.
لكن قلبي كان يتصادم بصدره كحصان هارب. لم أسمعه لم أرد سماعه.
قلت فقط
افتحوه.
لم أتعرف إلى صوتي كان صوت رجل خائف من الحقيقة أكثر من خوفه من الجنون.
بدأ العمال بفك البراغي. صوت المفك وهو يدور على المعدن كان كفأس يشق الصمت. تشبث
حين رفعوا الغطاء شهق الجميع.
لكنهم لم يشهقوا لأن إميلي كانت حية.
بل لأن شيئا آخر كان على صدرها شيء قلب كل الواقع رأسا على عقب.
هاتفها المحمول.
الهاتف ذاته الذي أخبرنا الطاقم الطبي بأنه اختفى في المستشفى ليلة وفاتها.
والأدهى
كانت شاشته مضاءة.
وعليها رسالة صوتية مرسلة.
ومختومة بوقت بعد ساعتين من إعلان وفاتها رسميا.
رسالة أرسلت إلى رقم إيفان.
في تلك اللحظة شعرت بأن الهواء سحب من حولي. أمسكت الهاتف بيد ترتجف كأنها ليست يدي. تجمد مدير الجنازة مكانه وتقدم خطوة إلى الخلف وهو يهمس
هذا غير ممكن.
كنت على وشك الضغط على زر التشغيل حين شعرت بابني يلتصق بي خائفا. لم أستطع التنفس. كنت أعرف ذلك الصوت الذي سأسمعه. أعرف تنفسها أعرف ضعفها حين تخاف أعرف كل نفس يخرج منها منذ اليوم الذي أحببتها فيه.
ضغطت تشغيل.
وجاء الصوت.
وفي تلك اللحظة بدأ عالمي كله ينهار.
انطلق الصوت من الهاتف كأنه آت من بئر سحيقة تشويش متقطع ثم أنفاس متكسرة ضعيفة مبحوحة تشبه صوت إنسان يقاتل من أجل الحياة. لم يكن صوت مريض فقد الوعي بل صوت شخص يدفن وهو ما يزال حيا.
ثم جاءت الهمسة صغيرة محطمة لكنها واضحة
حبيبي قل لوالدك أنا ما زلت هنا.
ارتفع