ابني همس عند القبر بابا، ماما لسه عايشة جوه التابوت
نحيب إيفان فجأة ودفن وجهه في صدري. أما أنا فشعرت بأن ركبتي تخونانني. العالم اهتز الأرض دارت والهاتف كاد يسقط من يدي. ذلك الصوت صوت زوجتي كان حقيقيا. كانت حية حين أعلن موتها. كانت تتنفس ببطء تتوسل وتترك رسالتها الأخيرة لابنها وهي محاصرة بين أجهزة المستشفى وقلوب موظفين متعجلين.
مدير الجنازة مرر يده في شعره بقوة وهو يهمس
لا بد أن هناك خللا تقنيا لا بد
لكنه لم يكمل. لم يجرؤ.
كانت هناك ممرضتان حضرتا مراسم الدفن وشاركتا في نقل جثمان إميلي من المستشفى. تبادلتا نظرة مذعورة ثم قالت إحداهما بصوت منخفض
لم يكن من المفترض نقلها بهذه السرعة افترضنا أن الطبيب تأكد من توقف قلبها افترضنا فقط.
تلك الكلمة افترضنا ضربت رأسي كضربة مطرقة على صفيح.
لم تمت زوجتي لأن القدر قاس.
لم تمت لأن المرض انتصر.
إميلي ماتت لأن أحدهم كان مهملا وربما أكثر من مهمل.
شعرت بغضب يشتعل في صدري كالنار يحرق المكان الذي كان فيه حزني. ارتفعت الحرارة في وجهي وتحول الارتجاف في يدي إلى ثبات مخيف. نظرت إلى الهاتف ثم إلى جسد
رفعت رأسي وقلت لمدير المقبرة
اتصل بالشرطة. الآن. ولا أحد يلمس شيئا.
أومأ برأسه بلا كلمة شاحبا كالطباشير وابتعد وهو يخرج هاتفه. أما الحضور فبدؤوا يتراجعون خطوة بعد أخرى بعضهم يبكي وبعضهم يضع يده على فمه في صدمة لا تصدق وكأنهم يرون لأول مرة امرأة دفنت قبل أن تموت.
جلست على العشب معه إيفان القابع بين ذراعي جسده يرتجف وصوته مبحوح
بابا كانت تحاول تتصل فيك ليه محدش سمعها
ابتلعت ريقي بصعوبة وقلت وأنا أحدق في جسدها الراقد
ربما لأنها عرفت أنك الوحيد الذي سيسمع ربما احتاجت شجاعتك.
لم يقل شيئا. فقط أغمض عينيه ومسح دموعه بكمه.
بعد دقائق وصلت الشرطة. لم يأتوا كمن يؤدي واجبه فقط بل كمن استشعر فداحة ما سمعه من شهود المقبرة. حين استمع المحقق للرسالة الصوتية اتسعت عيناه تدريجيا انتقل من الذهول إلى الغضب ثم إلى شيء يشبه الرعب.
اقترب مني وقف أمامي دون أن يرفع صوته وكأنه يخشى أن يسمع العالم كله كلماته
سيد هارت ما حدث ليس مجرد إهمال طبي. هذا قد
شعرت بأن الهواء صار ثقيلا. لكنني لم أندهش. كنت أعلم ذلك قلبي كان يعلم منذ اللحظة التي حدق فيها ابني في التراب وقال ماما تكلمتني.
هززت رأسي بمرارة
لا هو جريمة بالفعل.
منذ ذلك المساء تغير كل شيء. بدأ التحقيق على الفور واستدعي مجلس المستشفى للتحقيق الطارئ. الطبيب الذي وقع شهادة الوفاة تم إيقافه عن العمل قبل نهاية اليوم قبل أن يستطيع حتى أن يجمع أوراقه من مكتبه. الممرضتان وضعتا قيد التحقيق بتهمة تزوير سجلات النقل وإخفاء بيانات كانت قد تنقذ حياة إميلي لو أنها سجلت كما يجب.
لكن
لا شيء من ذلك أعادها لي.
لا شيء أعاد ضحكتها ولا خطواتها في أرجاء البيت وهي تنادي ابنها ولا الطريقة التي كانت تمسك بها يدي كأنها تخشى أن يبتلعها العالم الكبير. كل ما بقي لي هو الحقيقة. والحقيقة كانت مرة جارحة لكنها الشيء الوحيد الذي بقي يمكنني الدفاع عنه.
كانت الليالي التي تلت ذلك طويلة كعمرين. كنت أعود إلى المنزل الفارغ أجلس في غرفة المعيشة بلا إضاءة لأن الضوء وحده كان يذكرني بأنها لن تدخل من الباب.
رسالة قصيرة لكن صوتها فيها كان آخر خيط يربطني بها. كنت أستمع إليها عشرات المرات ليس من أجل تعذيب قلبي رغم أن ذلك كان يحدث رغما عني ولكن لأني أردت أن أحفظ صوتها كما كان
ليس صوتا منهارا ليس صوتا مريضا بل صوت إنسانة تحارب.
كانت تحارب كي تعود إلى ابنها.
تحارب كي تسمع.
تحارب كي لا تدفن حية.
تحارب كي يقول أحدهم هناك خطأ ما.
وفي ليلة ما بينما كنت واقفا في وسط غرفة المعيشة الهاتف في يدي والدموع تنهمر بلا توقف أدركت شيئا واحدا
ما حدث لإميلي
لم يكن قصتي وحدي.
كان درسا لكل أب وأم لكل طبيب وممرضة لكل إنسان يتجاهل صوت طفل ظانا أنه يتخيل. لأن الأطفال يرون أشياء لا نراها. يشعرون بما لا نشعر به. يسمعون ما لا يلتقطه الكبار المشغولون.
ولذلك إنك الآن تقرأ حكايتي كشخص لا أعرفه ولم يعرف إميلي فاسمح لي أن أسألك سؤالا واحدا سؤالا ربما يغير حياة شخص ما يوما ما
ماذا ستفعل لو قال لك طفلك شيئا يبدو غير قابل للتصديق ثم اكتشفت لاحقا أنه كان على حق
فكر جيدا.
لأن الإجابة قد تنقذ روحا قبل أن تدفن مرتين.