الطفلة التي وُلدت تحت عاصفة
المحتويات
القشعريرة
ليس هنا أرجوك ليس هنا.
لكن الطبيعة لا تستجيب لضراعة من لا يملك مكانا في عالمها. فجأة انقبض جسدها بقوة وتمزق صمت الليل بصرخة خرجت من أعماق الأسى لا من الألم وحده. ثم لحظة فاثنتان حتى انشقت العاصفة عن صوت آخر صوت بكاء صغير بكاء حياة تولد على عتبة الموت.
نظرت إيميلي إلى مولودتها بين ذراعيها المرتجفتين ملفوفة بسترتها الممزقة. كان وجه الطفلة ورديا كزهرة صغيرة خرجت من قلب الجليد. دمعتاها انزلقتا على خديها قائلتين بصوت لا يكاد يسمع
أنت معجزتي يا صغيرتي.
لكن الجسد البشري أضعف من أن يتحمل زمهريرا كهذا. أحست بأن حرارتها تهبط كأنها تسحب منها وأن نبضها يتراجع خطوة بعد خطوة. لم تعد تسمع سوى دقات قليلة متباعدة كأن قلبها نفسه يستعد للرحيل.
رفعت بصرها إلى الشارع الخاوي وقالت بصوت مكسور
لو وجدك أحد شخص طيب فقط شخص طيب
ثم انطفأ صوتها وبدأت عيناها تغلقان كأنهما تطفئان آخر نور في عالمها.
لكن قبل أن يبتلع الصمت كل شيء دوى في البعيد صوت هدير ثقيل هدير يشبه زمجرة مخلوقات فولاذية تشق الجبال. ثم ظهرت الأنوار عشر كتل ضخمة تتحرك عبر العاصفة محركاتها تهدر وكأنها قادمة من عالم آخر. كانت دراجات نارية ضخمة تلمع مصابيحها المخترقة للثلج كسهام من نور يقودها رجال عريضي الأكتاف يرتدون سترات ثقيلة
توقفت الدراجات دفعة واحدة حين لمح قائدهم جاك تومبسون جسدا على الأرض. رفع رأسه وقال بصوت يعلو هدير الريح
توقفوا! هناك أحد على الطريق!
ضغطت الدراجات على مكابحها فانزلقت عجلاتها على الجليد وركضت امرأة من بينهم تدعى ميا إلى الأمام. وما إن اقتربت حتى شهقت
يا إلهي! إنها امرأة وطفلة!
جثا جاك على ركبتيه بجانب إيميلي ولما رأى وجهها الأزرق الشاحب وشفتيها المرتجفتين أدرك أن اللحظات على وشك الانتهاء. فتحت إيميلي عينيها بالكاد وبمجرد أن رأت شعار الذئب المرسوم على سترته ارتجفت من الخوف. لكن صوت جاك جاء هادئا رقيقا على غير ما يليق برجل ضخم مثله
اهدئي أنت بأمان الآن.
حاولت الرد فجاء صوتها كهمسة متكسرة
أرجوكم خذوها ليس لها أحد أعدوني أعدوني أن تعتنوا بها
ضاقت عينا جاك وظهر في صوته شيء يشبه الغصة وهو يقول
أعدك.
ابتسمت ابتسامة بالكاد ترى ثم همست بكلمة وحيدة
اسمها هوب
وانزلقت يدها من يده كزهرة تتساقط من غصنها الأخير.
ساد صمت ثقيل. حتى العاصفة بدت وكأنها خففت من قوتها احتراما للحظة. حمل جاك الطفلة الصغيرة يلفها بسترة ثقيلة بينما وقف الرجال حوله رؤوسهم منحنية. لم يكن أحد منهم بحاجة لكلمات ليفهم أن تلك الليلة لن تمحى من حياتهم.
انطلقت الدراجات عبر الثلج نحو المستشفى
حين وصلت الدراجات إلى المستشفى في تلك الليلة كان الأطباء قد استعدوا لاستقبال أي حالة طارئة بسبب العاصفة لكنهم لم يتوقعوا أن يروا رجالا ضخاما يقتحمون الباب حاملين رضيعة صغيرة تهتز من
البرد. هرع الطاقم الطبي نحوهم أخذوا الطفلة وأسرعوا بها إلى الداخل. وبعد دقائق عاد الطبيب ليخبرهم بأن الصغيرة بخير وأن جسدها قاوم البرد بفضل الدقائق التي احتضنتها فيها أمها.
لكن الخبر التالي كان أثقل من أن يحتمل.
أخبرهم الطبيب أن المرأة التي وجدوها قد فارقت الحياة قبل وصولهم بدقائق قليلة.
ساد الصمت بينهم. وقف جاك ينظر إلى الأرض طويلا كأنه يحاول أن يتذكر وجهها جيدا قبل أن يذوب مع الثلج. ثم خرج الجميع إلى الطريق ذاته الذي شهد صرختها الأخيرة. اشترى الرجال بأموالهم القليلة زهورا ثم صليبا بسيطا وحجرا نقشت عليه كلمة واحدة إيميلي. ووضعوه في المكان الذي استلقت فيه ثم وقفوا حوله ورحلتهم كلها تشتعل بداخلهم كجمر لا يبرد.
قال جاك بصوت خافت
هذه المرأة سلمت ابنتها لنا سنفي بوعدنا.
ومن تلك اللحظة لم تعد الطفلة مجرد رضيع عثروا عليه بل أصبحت عهدا يربط قلوبهم قبل أياديهم.
مرت الأيام وبدأ جاك إجراءات التبني ولم
سموها هوب كارتر محافظة على اسم أمها وكأنهم بذلك يعيدون صلتها بالعالم الذي خرجت إليه وسط العاصفة.
ومع مرور السنوات كانت الصغيرة تكبر ويتغير معها العالم من حولها. في الرابعة كانت تركض بينهم بخطوات صغيرة فيضحكون كأنهم نسوا كل قسوة عاشوها. وفي السابعة كانت تركب الدراجة الصغيرة التي أعدوها لها محمولة خلف جاك ترتدي خوذة وردية مزينة بمعنى أميرة. وفي العاشرة كانت تعرف أسماء أدواتهم وأسرار محركاتهم وتضحك حين يغضبون من عطب بسيط في إحدى الدراجات ثم تتولى هي بنفسها تنظيف مراياها.
لم يكن أهل المدينة يفهمون كيف لرجال قساة المظهر مملوءة أجسادهم بما يدل على صراع السنين أن يصبحوا آباء لطفلة تفيض شقاوة ودفئا. ولكن الحقيقة كانت بسيطة
هوب لم تكن ابنتهم فقط كانت خلاصهم.
في أحد الأيام وبينما كانت تنظف غرفة التخزين القديمة في مقرهم عثرت على صندوق صغير يعلوه الغبار. فتحته بفضول
متابعة القراءة