هؤلاء الأطفال النائمون قرب القمامة يشبهونني!

لمحة نيوز

لم يكن المشهد في البداية سوى زاوية مهملة قرب الحاويات المعدنية الصدئة لكن شيئا ما شد قلب إدواردو بعنف غريب. طفلان نحيلان يغطان في نوم مضطرب فوق قطعة قماش باهتة بجوار القمامة ومع ذلك كانا يشبهان بيدرو حد الوجع.
لم تكن تلك ملامح متقاربة فحسب بل شبه يلامس الجوهر كأن القدر صوغهما من النسخة ذاتها ثم ترك كل واحد منهما في عالم مختلف.
توقف إدواردو عن السير كأن الأرض انشقت تحت قدميه. انحنى قليلا يحاول أن يلتقط أنفاسه ثم التفت إلى ابنه قائلا بصوت هادئ اختلط فيه الاضطراب بالتماسك المصطنع
يا صغيري دعنا نبتعد لا نريد إيقاظهما.
لكن بيدرو ظل واقفا يرمق الطفلين بعينين متسعتين كما لو كان ينظر إلى مرآة زمنية. هز رأسه ببطء وقال بإصرار طفولي لا يعرف المجاملة
لا يا أبي إنهما يشبهانني كثيرا. لا أستطيع أن أتركهما.
وقبل أن يتدخل إدواردو ليقنعه تحرك أحد الطفلين فجأة. استدار على جنبه فتح عينيه المثقلتين بالجوع والسهر وحدق في الصبي الأنيق الذي يقف أمامه بثياب لا يعرفها ثم رفع بصره إلى الرجل الواقف خلفه.
لم يفهم لكنه شعر بتهديد غامض دفع قلبه للارتجاف. رمش بعنف ثم دفع كتف أخيه بيده المرتجفة
ماتيو اصح. هناك أناس هنا.
استيقظ ماتيو بفزع جلس بسرعة التصق بأخيه كمن يحتمي بجدار أخير. لم يطلبا مالا لم يمدا أيديهما فقط نظرات ممتلئة بالحيطة والخوف القديم.
قال

الأكبر بصوت مبحوح خافت
سيدي لا نؤذي أحدا. إن أردتم أن نرحل سنرحل.
شعر بيدرو أن الكلمات أكبر من عمر الطفلين فجثا على ركبتيه بجوار الفرشة المهترئة من دون أن يفكر لحظة في نظافة ملابسه ثم ابتسم ابتسامة صغيرة صادقة وقال ببساطة
لن يطردكما أحد. أبي رجل طيب اسمي بيدرو وأنتم
تبادل الطفلان نظرة قصيرة ثم قال الأكبر بنبرة خجولة
أنا لوكاس وهذا أخي ماتيو.
تشنج شيء في صدر إدواردو.
لوكاس.
الاسم ارتطم بعقله كحجر ثقيل قفز في بئر ذكرياته.
اسم سمعه في أيام ماضية مشبعة برائحة المطهرات وأجهزة المراقبة وصوت الأطباء وضجيج الخسارة لكنه طرد الفكرة كمن يقفل بابا يخاف ما وراءه.
اقترب منهم وجثا هو الآخر حتى صارت عيونه في مستوى عيونهم وسأل بهدوء متعاطف
تشرفت بمعرفتكما يا لوكاس ويا ماتيو. منذ متى وأنتم هنا
خفض لوكاس رأسه وصوته خرج خافتا مترددا
منذ ثلاثة أيام. المربية التي كانت تهتم بنا قالت إنها لم تعد تملك مالا أخذتنا في الليل إلى هنا وتركتنا. قالت إن أحدا سيأتي لكن لم يأت أحد.
شد ماتيو القميص الممزق لأخيه كأنه يذكره بتفاصيل القصة التي اعتادا سردها فيما بينهما
نذهب أحيانا إلى المخبز عند الزاوية. امرأة هناك تعطينا أحيانا خبزا قديما. اليوم لم نأكل منذ الصباح.
كانت كل كلمة تنغرس في صدر إدواردو كشوكة.
المربية أخذتنا في الليل لا نعرف أين أمنا ليس لدينا مكان
خيوط
تتشابك مع ذكريات حاول طوال خمس سنوات دفنها تحت طبقات من الصمت.
سأل بصوت منخفض
وهل لديكما مكان آخر هل بقي أحد من عائلتكما
أجاب لوكاس بعد لحظة صمت طويلة
كنا نعيش مع خالتنا مارسيا. قالت إن أمنا ماتت في المستشفى وإن والدنا لديه طفل آخر يجب أن يهتم به.
تجلد وجه إدواردو لكن روحه ارتجفت من الداخل.
مارسيا.
الاسم وحده كان كفيلا بأن يفتح جرحا ظنه التأم.
وقبل أن يغرق في دوامة الذكريات سمع صوت بيدرو المفعم بالحماس وهو يفتش في حقيبته
أبي هل يمكن أن أعطيهما البسكويت لدينا الكثير في البيت.
من دون تردد أخرج علبة فاخرة فتحها أمامهما كأن الأمر بديهي.
رفع الطفلان نظرهما إلى إدواردو كأنهما يطلبان إذنا صامتا.
أومأ فتناولا البسكويت بترو لا بجوع شرس.
كسر لوكاس أول قطعة نصفين أعطى ماتيو قسمه ثم بدأا يأكلان ببطء كأنهما يتذكران طعم الأمان لا الطعام.
كان بيدرو ينظر إليهما بانبهار صادق ثم قال
إنهما مثلنا يا أبي نحن أيضا نقسم الأشياء.
وفي تلك اللحظة لاحظ إدواردو شيئا لم يكن قادرا على تجاهله بعد الآن
طريقة حك الخلفية اليسرى للأذن
طريقة عض الشفة إن توتر أحدهما
الالتفاتة السريعة قبل عبور أي شارع
تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها إلا أب عاش عمرا بجوار ابنه.
بدا له المشهد أشبه بثلاث مرايا تعكس ملامح واحدة ثم توسع صدى داخلي خافت
هل يعقل
سأل وهو يشعر بدم بارد يسري في
عروقه
منذ متى وأنتما مع تلك المربية
أجاب ماتيو
منذ أن كنا صغارا جدا. كانت تقول إنها أنقذتنا لكنها تغضب كثيرا. تختفي لأيام تقول إننا سبب تعاستها.
أكمل لوكاس بنبرة هادئة حزينة
لكننا كنا نحبها لم يكن هناك أحد سواها.
هنا رفع بيدرو عينيه إلى أبيه وقال بما يفوق عمره نضجا
أبي لا نستطيع تركهما هنا. يمكن أن يأتيا معنا. نحممهما يأكلان وبعدها نفكر.
سكت إدواردو طويلا.
عاد إلى تلك الليلة
صرخات الأطباء
الولادة المعقدة
العبارة التي مزقت حياته نستطيع إنقاذ واحد فقط.
هل يعقل أن القصة لم تكن كاملة
هل يعقل أن باتريسيا
وأن مارسيا
رفع رأسه نحو السماء الرمادية كأن روح زوجته تراقبه من مكان ما ثم قال بصوت ثابت اتخذه قرارا
يا لوكاس يا ماتيو ما رأيكما أن تأتيا معنا نمنحكما دفئا وطعاما ثم نرى ما يمكن فعله.
حدقا به كمن لا يجرؤ على تصديق الأمل.
سأل لوكاس بصوت بالكاد يسمع
لن تبيعنا لن تتركنا في مكان مظلم
وقبل أن يجيب إدواردو مد بيدرو يديه بكل ثقة أمسك يد لوكاس بيمين وماتيو بيسار وقال بجدية غير معتادة
أقسم لكما أبي لا يؤذي أحدا. يحضنني كل ليلة يحميني دائما. لن يسمح لأحد أن يلمسكم بسوء. وإن حاول أحد سأقف أمامكما.
رفع لوكاس عينيه إليه ثم إلى الرجل الذي يقف خلفه فرأى دمعة محتبسة تتلألأ في عين إدواردو.
شعر فجأة أن هذا الرجل يعرفه بطريقة ما.
عرف هذا الشعور الغامض
الذي يربط القلوب بلا سبب ظاهر.
قال بعد تردد طويل
حسنا سنأتي. لكن إن حاول
تم نسخ الرابط