هؤلاء الأطفال النائمون قرب القمامة يشبهونني!

لمحة نيوز

أحد إيذاءنا سنهرب.
ابتسم بيدرو فورا وقال
لن تحتاجا إلى الهرب أعدكما بذلك.
أسند بيدرو يده الصغيرة إلى ذراعي لوكاس وماتيو يساعدهما على الوقوف كأنهما جزء لا ينفصل من جسده. حمل ماتيو كيسا بلاستيكيا مهترئا يحوي بقايا خبز يابس وقارورة ماء شبه فارغة بينما ضم لوكاس بين ذراعيه الفرشة البالية بقبضة متشبثة كأنها آخر شاهد على المكان الذي اعتاد أن يسميه بيتا ذات يوم.
سار الصبيان مع بيدرو في الطريق الضيق الخطوات الثلاثة الصغيرة تتماشى بغير اتفاق وإدواردو يسير خلفهم بحذر يراقب كل حركة بقلق محموم ورهبة لا يملك لها تفسيرا. كان كلما اقترب من سيارته الفاخرة يشعر بأن قدميه تثقلان وكأن الأرض تحاول جذبه إلى الخلف لتمنعه من اتخاذ القرار الذي يغير حياته كلها.
المارة توقفوا بعضهم بحيرة وبعضهم بصمت مستغرب. ثلاثة أطفال بملامح واحدة بشعر متشابه وعيون خضراء تكاد تعكس الضوء يسيرون كصف من نسخ صغيرة خرجت من مرآة سحرية. همس رجل في أذن آخر
انظر كأنهم ثلاثة توائم لكن اثنين منهما خرجا للتو من زمن آخر.
وحين وصلوا إلى السيارة السوداء الفارهة تجمد لوكاس وماتيو أمامها. كانت بالنسبة لهما شيئا ينتمي إلى عالم
لا صلة لهما به. مرر ماتيو إصبعه بخجل فوق هيكلها اللامع كأنه يخشى أن يوقظ شيئا غامضا بلمسته.
قال بصوت يكاد يختفي
هل هل هذه سيارتك يا سيدي
لكن بيدرو سبق أباه في الإجابة وقال بفخر طفل يرى أن العالم كله ملك لأسرته
نعم هذه سيارة أبي نذهب بها إلى المدرسة وإلى النادي وإلى الأماكن الجميلة في المدينة.
فتح إدواردو الباب الخلفي فوقف الطفلان في مكانهما للحظة ثم دخلا بتردد واضح كأنهما يعبران بوابة لم يحلما بالدخول إليها يوما. جلس بيدرو بينهما بثقة من يعتقد أن هذا موقعه الطبيعي منذ زمن ثم أغلق الباب بحماس.
جلس إدواردو خلف المقود وحين نظر إلى المرآة الداخلية للحظة قصيرة شعر بأن الزمن توقف
ثلاثة وجوه متقاربة إلى حد الاستحالة ثلاثة صبية بعيون خضراء تلمع بالدهشة كأن القدر أعاده سنوات إلى الوراء وعرض أمامه الحقيقة التي حاول الهرب منها.
بدأت السيارة تتحرك وشيئا فشيئا اختفى شارع القمامة والفقر وراءهم وحلت شوارع فسيحة وحدائق مشذبة ومبان زجاجية تعكس الشمس.
وخلال الطريق كان بيدرو يشير بحماس من النافذة
هنا يعمل أبي وهذا المول الذي نذهب إليه في العطل وهناك أكبر حديقة ألعاب رأيتها!
وكان لوكاس يمطره
بالأسئلة يحاول أن يفهم العالم الجديد الذي وجد نفسه فجأة جزءا منه
وهل في شركتك أطفال هل تساعدون الناس وهل كل البيوت هنا كبيرة بهذا الشكل
أما ماتيو فكان صامتا أغلب الوقت يضم أطرافه إلى جسده ويراقب كل زاوية تمر من نافذة السيارة. بدا كطفل يخاف أن يصحو من حلم جميل فيجد نفسه عائدا إلى الرصيف البارد.
كان قلب إدواردو في تلك اللحظة ساحة صراع.
جزء منه يريد أن يضم الطفلين بعنف أن يصرخ أنه وجدهما أخيرا
وجزء آخر كان مذعورا من الماضي من تلك الحقيقة التي دفنها تحت سنوات من الصمت.
وعندما وصلوا إلى بوابة القصر اتسعت عينا لوكاس وماتيو حتى كاد الخوف يمتزج بالإعجاب.
الأسوار العالية الحديقة الواسعة الأشجار المقصوصة بعناية والنافورة التي تتلألأ مياهها كحبات زجاج.
همس ماتيو مذهولا
أهذا بيتك حقا
فأجاب بيدرو ببساطة صادقة
نعم كان كبيرا علينا أنا وأبي فقط. لكنه الآن يشبه ثلاثة بيوت لا بيتا واحدا!
فتح الحارس البوابة وقد تجمد في مكانه. كان ينظر إلى المشهد غير مصدق
يا إلهي!
داخل القصر كانت روزا مدبرة المنزل واقفة عند المدخل بانتظار عودة السيد. لكنها ما إن رأت الأطفال الثلاثة حتى سقطت المفاتيح من يدها
ورفعت يدها إلى صدرها.
يا قديسي السماء ما هذا
قال إدواردو بنبرة مضغوطة
روزا سأشرح كل شيء لاحقا. الآن أريد حمامين ساخنين ملابس نظيفة وطعاما الكثير منه.
نظرت روزا إلى الطفلين ووراء الاتساخ والارتجاف رأت طفولة خائفة تبحث عن مأوى. اقتربت منهما ببطء وانحنت قائلة بحنان أم افتقدته حياتهما
أهلا بكما من هذه الليلة لن تناما في الشارع.
وفي حين كانت تقودهما نحو جناح الحمامات وقف بيدرو وسط البهو الواسع والتفت إلى أبيه.
أبي
نعم يا صغيري
وضع بيدرو يده على صدره وقال بصوت خافت
أشعر كأن جزءا بداخلي عاد إلى مكانه.
لم يستطع إدواردو حبس دموعه.
ضم ابنه إليه كأنه يخشى أن يسقط من بين يديه وهمس
ربما لأن قلبك وجد القطع التي كانت ضائعة منه.
وبينما كان صوت الماء يتردد في البعيد وروزا تهدهد الطفلين داخل الحمام وقف إدواردو وحده في منتصف البهو الفسيح يدرك تماما أن حياته لم تعد ملكه وحده.
ما بدأ بجملة بريئة في شارع فقير
أبي هذان الطفلان يشبهانني!
لم يعد مجرد صدفة
بل كان الباب الأول لقصة ستكشف أسرار خمس سنوات غامضة وتعيد ترتيب كل ما حاولت عائلته دفنه.
ومن تلك اللحظة
لم يعد القصر بيت رجل وطفله
بل مسرحا
لحقيقة كانت تنتظر طويلا حتى تجد طريقها إلى الضوء.

تم نسخ الرابط