أبٌ عازب يعمل عاملَ نظافة يرقص مع فتاة من ذوي الإعاقة

لمحة نيوز

أب عازب يعمل عامل نظافة يرقص مع فتاة من ذوي الإعاقة غير مدرك أن والدتها المليارديرة تراقبه من بعيد 
كان هارون بليك يعرف أرضية صالة الألعاب كأنها دفتر عمره كل خدش كل علامة باهتة كل أثر قديم لخطوات مرت فوقها. لم يعرفها من اللعب أو الاحتفال بل من المسح اليومي والانحناء الطويل ومصدر رزق متواضع يحافظ عليه بأكثر مما يحافظ على نفسه.
كان مجرد عامل نظافة.
أرمل منذ عامين وأب عازب لطفل صغير اسمه جونا كان ينام دائما على المدرجات بينما يعمل والده. صار يوم هارون سلسلة متكررة من الإرهاق وفواتير تتزايد وليال يبتلع فيها الصمت كل شيء. كان يخبر الجميع أنه بخير لكنه كان يعرف أن الحقيقة بعيدة عن ذلك.
ذلك المساء كانت الصالة تفوح برائحة الملمع والشرائط اللاصقة. فوانيس ورقية تتمايل من السقف وكراس مصطفة كأنها تنتظر عرضا كبيرا. كان الأهالي يتحدثون بحماس بينما يتحرك هارون بينهم كظل صامت يجمع الأكواب يلم الحبال ويترك خلفه أثرا من النظام في حفل يعج بالفوضى الجميلة.
وعلى طرف المدرجات كان جونا نائما بسلام رأسه مستند إلى حقيبته الصغيرة كأنها وسادة صنعت له وحده. لم يكن بإمكان هارون توظيف جليسة

أطفال لكن كل نظرة إلى ابنه كانت تكفي لرفع أثقال العالم عن كتفيه.
وفجأة اخترق السكون صوت خافت صوت عجلات تتحرك ببطء فوق الأرضية اللامعة.
استدار فرأى فتاة في الثالثة عشرة تدفع على كرسي متحرك شعرها الذهبي يلتقط ضوء الفوانيس وفستانها الأبيض يبدو وكأنه من عالم آخر. كانت عيناها تمتلئان بخجل لطيف يختلط بشجاعة تحاول الظهور رغم ضعف الجسد.
قالت بصوت مرتجف قليلا
مرحبا هل تعرف كيف ترقص
ابتسم هارون بخجل ممزوج بالتعب.
أنا كل ما أعرفه هو كيف أجعل هذه الأرض تلمع لا أكثر.
أمالت الفتاة رأسها ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة هشة لكنها تحمل إصرارا واضحا
الجميع لديهم من يرقص معهم أما أنا فلا أحد.
كانت كلماتها بسيطة لكنها اخترقت قلبه بمثابة نداء صامت.
وفي لحظة لم يفكر فيها كثيرا وضع الممسحة جانبا واقترب منها. مد يده إليها ثم بدأ يدفع كرسيها نحو مركز الصالة.
لم تكن هناك موسيقى فقط دندنة خفيفة من صوته وحركة بسيطة بين خطواته الهادئة وابتسامتها المترددة.
ضحكت.
ابتسم.
ولثوان قصيرة لم يكونا عامل النظافة والفتاة على الكرسي.
كانا روحين يبحثان عن لحظة دفء واحدة.
ما لم يعرفه هارون أن شخصا كان يشاهد
كل شيء من خلف الزجاج الشفاف.
شخص لم يكن يتوقع أبدا أن ترى ليلة كهذه أو أن تبدأ قصة كهذه.
عند مدخل الصالة المضيئة بأنوار المساء وقفت كارولين ويتمور والدة ليلا تراقب المشهد بعينين دامعتين تحملان من الأعباء أكثر مما تحملانه من الدموع. كانت امرأة من طراز نادر اعتادت أن تتحكم بكل شيء أن ترسم حدود عالم ابنتها وأن تحرسها من نظرات الشفقة ومن كل ما يمكن أن يجرح هشاشتها.
سنوات طويلة عاشتها كارولين وهي تقاتل كي لا تشعر ليلا بأنها مختلفة لكنها لم تدرك أن حماية زائدة قد تتحول بدورها إلى سجن ناعم بلا جدران.
في تلك الليلة حين رأت هارون بليك ينحني قليلا ليتحدث إلى ليلا بلطف صادق لا يشوبه تكلف ولا مجاملة شعرت لأول مرة بأن قلبها الأصم يلين. لم يكن في الرجل شيء لافت ثيابه عادية ملامحه مرهقة ويداه تحملان ما يدل على عمل شاق. لكن الطريقة التي نظر بها إلى ابنتها تلك الطريقة تحديدا كانت كفيلة بأن تحدث شرخا خفيفا في الأسوار التي بنتها حول قلبها.
وحين بدأت الموسيقى تتسلل عبر جنبات الصالة همست ليلا بصوت يكاد لا يسمع
شكرا لم يطلب أحد مني الرقص من قبل.
ابتسم هارون ابتسامة خفيفة خجولة كأنها تخشى
أن تسمع وقال
أنت من طلب أولا وأنا فقط لبيت الطلب.
ضحكت ليلا ضحكة صغيرة أشبه بوميض ينفجر داخل مساحة معتمة. تلك الضحكة وحدها كانت كافية لأن تغير الجو كله. وحتى الموسيقى التي راحت تخفت شيئا فشيئا مع مغادرة الضيوف بدت وكأنها تفسح الطريق لصوت تلك الفتاة الشجاعة.
وحين انطفأت آخر الفوانيس الورقية المعلقة في قلب الصالة وقف هارون قليلا في المنتصف ينظر إلى المكان الذي شهد تلك اللحظة التي لم يكن يتوقع أن تترك أثرا في حياته. لكنه أحس بطريقة يصعب تفسيرها بأن شيئا صغيرا تحرك بداخله شيء يشبه بداية صحوة.
بعد أن غادر الجميع بقي يجمع قصاصات الورق المتناثرة على الأرض الخشبية التي حفظت خطوات المحتفلين. كانت الحركة بالنسبة له اعتيادية يكررها كل ليلة لكنها في تلك الليلة تحديدا حملت معنى مختلفا. وما إن بدأ يطوي آخر قطعة حتى سمع وقع خطوات خفيفة خطوات نسائية هادئة لكن واثقة ترافقها نغمة ارتطام كعب رقيق يلامس الأرض بإيقاع ثابت.
التفت ليرى امرأة تقف عند الباب.
كانت كارولين ويتمور.
وقفت كمن جاء يواجه جزءا من نفسه. ملامحها تحمل إرهاق السنوات لكن الهيبة ما زالت متجذرة في كل حركة تقوم بها. غير أن
شيئا جديدا كان يلمع في عينيها شيء
تم نسخ الرابط