أبٌ عازب يعمل عاملَ نظافة يرقص مع فتاة من ذوي الإعاقة

لمحة نيوز

عرف نفسه به. شعر بأن كل العيون تتجه إليه فتردد لحظة لكنه تذكر ضحكة ليلا الأولى وتذكر يد جونا الصغيرة التي أمسكت به في أول يوم من أيام المؤسسة.
أخذ نفسا واسعا وبدأ يتحدث.
لم يقل كلمات منمقة ولا استخدم جملا محفوظة.
روى قصته كما هي كيف يمكن أن تبدأ التغييرات الكبيرة بلحظة صغيرة برقصة في صالة شبه خالية بابتسامة طفلة كانت تبحث عن مكان تشعر فيه بأنها مرئية.
تحدث عن قوة اللطف حين يكون صادقا وعن معنى أن ترى الإنسان كما هو لا كما يريد المجتمع تصنيفه.
كانت القاعة تنصت إليه بإحساس خالص.
والدموع التي تجمعت في العيون لم تكن دموع حزن بل دموع اعتراف بأن الأشياء الصغيرة
قد تغير العالم.
وحين انتهى من حديثه انفجرت القاعة بالتصفيق.
لم يكن تصفيقا لمسؤول جديد ولا لرجل حصل على منصب رفيع بل لرجل عادي أكد للجميع أن الإنسانية قد تكون أقوى من كل المال وأن الاحترام حين يمنح صادقا قد يعيد تشكيل الروح البشرية.
مرت سنوات لكن الليلة التي رقصت فيها ليلا للمرة الأولى بقيت محفورة في ذاكرة الجميع.
تغير الكثير ليس في حياة هارون فقط بل في حياة كل من مر بتلك المؤسسة.
كانت الصالة نفسها تعج بالحياة من جديد.
أطفال يركضون كراس متحركة تنساب بخفة موسيقى خفيفة تتمايل مع خطوات الصغار ووجوه تمتلئ بالضحك.
كان المكان يشبه عالما كاملا لا مكان فيه للأحكام
ولا للمقارنات عالما منح الجميع فرصة أن يكونوا أنفسهم.
كان جونا يجري بين الأطفال شعره يتطاير بفوضى جميلة وهو يضحك بلا أي حدود. صار جزءا من العائلة الكبيرة التي كونها المكان.
أما ليلا فقد كانت تقود جلسة للحكايات تجلس وسط دائرة من الأطفال وتروي لهم قصصا عن الشجاعة عن الخيال عن أبطال يشبهونهم. الأطفال يلتفون حولها بعيون واسعة وكأنهم يستمدون منها دفئا لا يزول.
وفي زاوية الصالة وقفت كارولين إلى جانب هارون.
لم تعد تلك المرأة الثرية المتحفظة التي تحرس كل خطوة. صارت امرأة ترى العالم من زاوية مختلفة وترى ابنتها كجوهرة لا تحتاج تغطية بل تحتاج ضوءا يسمح لها بأن
تتلألأ.
نظرت إليه وقالت بصوت هادئ يقطر امتنانا
تلك الرقصة الصغيرة لم تغير ليلا فقط غيرتنا جميعا.
ابتسم هارون نظرة الهدوء على وجهه تشبه اعترافا صامتا بأنه يشعر بالفخر ليس بنفسه فقط بل بكل ما حدث منذ تلك الليلة.
كان يدرك أن الأمر لم يكن صدفة.
لم يكن لقاء عابرا ولا لطفا عارضا.
كان بداية فصل جديد فصل تغيرت فيه حياة كاملة.
فقد تعلم أن اللطف لا يحتاج إلى ثروة ولا يحتاج إلى منصب ولا يحتاج إلى جمهور يصفق.
اللطف يحتاج إلى شخص يرى إنسانا آخر بوضوح يرى ضعفه وقوته خوفه جماله وكل ما يحمله من تناقضات.
وتعلم أن لحظة واحدة من الرؤية قد تكفي لتغيير حياة كاملة.
بل لتغيير
حيوات كثيرة.

تم نسخ الرابط