أبٌ عازب يعمل عاملَ نظافة يرقص مع فتاة من ذوي الإعاقة
المحتويات
لم يفهمه هارون لأول وهلة امتنان تردد أم اعتراف غير منطوق
تقدمت خطوة واحدة وقالت بصوت هادئ منضبط كأنها اختارت كل كلمة بعناية
السيد بليك أنا كارولين ويتمور. سمعت من ابنتي ما فعلته الليلة.
توقفت لحظة ثم أضافت بنبرة انكسرت للحظة قبل أن تستعيد تماسكها
قالت لي ماما جعلني أحدهم أشعر كأنني أميرة.
اختنقت الكلمات في حلق هارون. شعر بالحرارة تتصاعد إلى وجهه خجل بسيط لكنه حقيقي. قبض على الممسحة التي يحملها كأنها درع يحاول أن يختبئ خلفه.
قال بصوت منخفض
لم أفعل شيئا كبيرا فقط أردت ألا تشعر بأنها وحدها.
هزت كارولين رأسها ببطء وأطلقت زفيرا يشبه النزول من قمة تعب طويل
ما فعلته لم يكن عابرا لا بالنسبة لها ولا بالنسبة لي. ابنتي مرت بالكثير أكثر مما تتخيل.
اقتربت خطوة أخرى هذه المرة بلا تردد. بدا صوتها مختلفا عن الطريقة التي يعرفها بها الجميع لم يكن رسميا ولا متحفظا بل دافئا إنسانيا أقرب ما يكون إلى أم تخلت للحظة عن قناع القوة.
قالت
أود دعوتك إلى الغداء غدا. ليلا تريد شكرك وأنا أيضا.
ارتبك هارون. عالم كارولين كان بعيدا تماما عن عالمه عالم اجتماعات فاخرة وقاعات راقية وأشخاص يتحدثون بعبارات طويلة وابتسامات محسوبة.
ورغم ذلك حين تذكر ضحكة ليلا الضحكة التي بدت كحياة تولد من جديد قال بصوت خافت
حسنا سأحضر.
في اليوم التالي حين كان هارون يسير نحو المقهى الصغير كان يمسك يد جونا الذي يقفز بحماسة لا يملك لها تفسيرا سوى أنه طفل يرى العالم بألوانه البسيطة. كان الصباح مشرقا والهواء يحمل رائحة المطر والمقهى تنبعث منه رائحة قهوة محمصة وفطائر دافئة.
جلسوا عند طاولة خشبية قرب النافذة.
ليلا كانت تنظر إلى جونا بفضول طفولي وإلى هارون بابتسامة خجولة مشبعة بامتنان صامت.
كارولين بدت أكثر هدوءا من الليلة الماضية وأقل حرصا على المظاهر مما اعتاده الآخرون.
كانت لحظة دافئة بسيطة لكنها تشبه بابا يفتح على شيء كبير لم يسمه أحد بعد.
وبينما كان جونا يضحك ضحكته الطفولية التي تنتشر مثل موجة خفيفة لاحظت كارولين كيف ينعكس هذا الصوت على ملامح ليلا فيحول خجلها إلى فرح خالص ويمنح عينيها نورا جديدا يشبه بداية تعاف طال انتظاره.
وحين وضع هارون كوب القهوة قالت كارولين
أعرف أن دعوتي لك قد تفاجئك لكن لدي سبب آخر لاستضافتك.
رفع حاجبيه قليلا وقال
سبب آخر
أومأت
أنا أدير مؤسسة
ساد صمت عميق.
كان هارون يشعر وكأن العالم يعطيه دعوة لم يحلم بها يوما.
قال ببطء
لكنني مجرد عامل نظافة.
ابتسمت كارولين ابتسامة هادئة واثقة
لهذا السبب أريدك. الأطفال لا يحتاجون إلى أشخاص مثاليين بل إلى أشخاص حقيقيين.
كانت كلماتها كفيلة بأن تحرك شيئا عميقا في داخله.
ولم يجد إلا أن يقول
سأحاول.
لم يكن هارون يتخيل أن كلمة بسيطة مثل سأحاول ستقوده إلى عالم جديد بالكامل. فبعد أيام قليلة وجد نفسه وسط مكتب المؤسسة الهادئ حيث كانت الجدران تزينها رسومات أطفال وملصقات تحفيزية تخبر الصغار بأن العالم يتسع لهم كما هم.
كانت التجربة مرهقة في بدايتها اجتماعات طويلة برامج تحتاج إعدادا متقنا وقلوب صغيرة قد تنكسر بسهولة إن لم تعامل بلطف.
لكنه مع مرور الوقت بدأ يشعر بأن شيئا داخل روحه يستيقظ من سبات طويل. كان ينظر إلى الأطفال فيرى في كل واحد منهم جزءا من جونا وبرغم اختلاف قدراتهم وظروفهم كانوا جميعا يملكون تلك الطاقة العجيبة التي تعيد تشكيل الحياة مرة تلو الأخرى.
جونا نفسه وجد في المؤسسة ملاذا لم يعرفه من قبل صار
وشيئا فشيئا لاحظت كارولين التغيير الذي يطرأ على هارون.
ذلك الرجل الذي كان يأتي أول يوم مترددا منكسر الظهر من إرهاق الحياة صار يقف بثبات أكبر وصوته حين يتحدث مع الأهالي صار يحمل يقينا ما. لم يعد الرجل المنطوي الذي يتجنب النظرات بل صار جزءا أساسيا من روح المؤسسة.
وفي إحدى الليالي الشتوية كانت المؤسسة تنظم حفلا كبيرا لدعم برامجها الجديدة. أضواء ملونة تتراقص على الجدران موسيقى دافئة وضحكات أطفال تملأ المكان بحيوية خالصة. حضر الجميع الأهالي المتطوعون الداعمون أولئك الذين آمنوا بأن الإنسانية لا تحتاج ثروة بل قلبا يرى ما لا يراه الآخرون.
وقفت كارولين قرب المسرح تراقب المشهد بفخر. كانت تعلم أن الطريق إلى هذه الليلة لم يكن سهلا وأن ما يحدث الآن أكبر بكثير من مجرد حفل. كان انتصارا لصوت ظلت تخنقه لسنوات صوت يقول إن ابنتها تستحق الحياة بكل ألوانها.
ثم جاء دور هارون ليصعد إلى المنصة.
كان يرتدي بدلة مستعارة لكنها
متابعة القراءة