لم يكن المليونير المفجوع يظن أن حياته ستتغيّر مرة أخرى
لم يكن المليونير المفجوع يظن أن حياته ستتغير مرة أخرى. فكل يوم سبت وعلى مدى عامين كاملين كان مايسون هارتلي يزور قبري ابنتيه عند الفجر يضع الزنابق البيضاء بين شاهدي القبرين ويهمس بكلمات لا يسمعها أحد. كان يعتقد أن ما فقده لن يعود إلى أن ظهرت أمامه طفلة فقيرة ترتجف وأخبرته جملة هدمت العالم الذي عاش فيه طوال عامين
سيدي الفتاتان المدفونتان هنا أراهما كل يوم في شارعي.
منذ عامين لم يتخلف مايسون عن زيارته الأسبوعية. كان يسير في الممر الهادئ للمقبرة حاملا الباقة التي كانت ابنتاه أوليفيا وكلير تختارانها كل يوم سبت من السوق. يجثو أمام الحجرين يمسح الرخام بقطعة قماش مخصصة لهما ويعدل الزنابق بيدين ترتعشان ثم يتحدث بصوت خافت وكأن الفتاتين ما زالتا تجلسان عند قدميه كما اعتادتا في طفولتهما.
قبل الحادث الذي قلب حياته كان مايسون أحد أعمدة مدينة ريدجبروكرجل أعمال ناجح بنى شركته هارتلي لمستلزمات البناء من الصفر. لكنه كان دائما يقول إن أعظم نجاح في حياته هو كونه أبا لفتاتين توأم. ولدتا في يوم عاصف من شهر مارس بجدائل متماثلة وعيون عسلية لامعة تتشبثان به كما لو أنهما مركز الكون.
لكن زواجه من زوجته السابقة هانا
وفي إحدى الليالي تلقى اتصالا عن حادث وقع في وقت متأخر على الطريق السريع حادث قيل له إن زوجته السابقة وبنتيه لم ينج منه أحد.
دفن ثلاثة توابيت. ودفن معها آخر ما تبقى من الأمل.
وفي هذا السبت تحديدا بينما كان يهمس
والدكما هنا يا صغيرتي
قاطع صوته همس خافت خلفه
سيدي الفتاتان المكتوب اسماهما هنا أراهما في الشارع الذي أسكنه.
تجمد في مكانه.
استدار ببطء شديد ليجد طفلة نحيلة الحساء تنتعل حذاء باليا تحدق إليه بعينين مرهقتين لكن واثقتين على نحو مخيف.
قالت بصوت منخفض
أراهما دائما أختان تشبهان من في الصورة تماما. لهما الاسم نفسه الوجه نفسه الشعر نفسه. تعيشان في البيت الأزرق آخر الشارع.
بدأ قلبه يخفق بقوة حتى شعر بأن ضلوعه تضيق عليه كأنها سجن مفاجئ لا مفر منه. كان المشهد أمامه يزداد غرابة والطفلة الواقفة أمامه بشعرها المتشابك وملابسها الرخيصة ترفع رأسها نحوه بعينين
أتعبثين معي
انطلقت الكلمات منه حادة كالسهم لكنها لم تحرك في الطفلة سوى المزيد من الارتجاف. اتسعت عيناها وامتلأتا بالدموع حتى بدتا كبركتين صغيرتين تهددان بالفيضان.
لا يا سيدي! أقسم لك أنا لا أكذب. أمي مريضة ولا أريد المال لنفسي. فقط فقط أراهما طوال الوقت.
كانت الكلمات تسقط من شفتيها كأنها تتعلق بحبل أخير يربطها بالأمل. كاد أن يشيح بوجهه عنها ويكمل طريقه فقد ظنها طفلة أخرى من هؤلاء الذين تعلمهم الشوارع فنون الاحتيال. بالفعل استدار خطوة وكاد يتركها خلفه لكن شيئا ما أوقفه.
لم تكن الكلمات هي التي شدته بل ذلك الصدق الخام الذي انعكس في عينيها صدق لا يستطيع طفل في مثل عمرها اصطناعه. توقف تنهد بعمق ثم عاد إليها ببطء.
أخرج محفظته من جيبه وسألها بجمود يخفي عاصفة داخله
كم تريدين
خفضت رأسها بخجل ومسحت أنفها بظاهر يد صغيرة متسخة.
عشرين دولارا لدواء أمي.
توقف لحظة ثم مد يده إليها بورقة من فئة المئة. لم يكتف بذلك بل انحنى قليلا وقال
وإن أخذتيني إليهما وإن كان كلامك صحيحا سأعطيك ألفا فوقها.
فتحت الطفلة فمها بدهشة ثم همست
أنا لست كاذبة
وفي دقائق قليلة كانت تجلس في المقعد الخلفي لسيارته السوداء الفاخرة. قدماها الصغيرتان لا تلمسان أرض السيارة وصوتها يتقطع وهي تعطيه الاتجاهات. كان يسوق وهو يشعر بأن الهواء يزداد ثقلا مع كل متر يقطعانه وكأن قلبه يسحب نحو مصير لا يعرفه.
وحين ظهر المنزل أخيرا شعر كأن الأرض تهتز تحته.
كان منزلا صغيرا يعلوه طلاء أزرق باهت يتقشر كجلد جريح والسياج الخشبي مائل كظهر رجل هزمه الزمن. في الساحة الخارجية ألعاب مبعثرة بعضها مكسور وبعضها متسخ وأعشاب طويلة تشابكت كأن أحدا لم يلمسها منذ شهور. وعلى الحبل الخلفي ثياب معلقة دليل واضح على أن شخصا يعيش هنا ويعيش منذ وقت قريب.
ترجل من السيارة لكن ركبتيه خارتا كأنهما لا تقويان على حمل الحقيقة.
صعد الدرج الخشبي المتهالك الذي أنينه تحت قدميه زاد توتره. رفع يده وطرق الباب.
مرة.
مرتين.
ثلاثا.
وفي المرة الرابعة سمع خطوات تقترب ببطء ثم انفتح الباب قليلا يعيقه قفل معدني وسلسلة قصيرة.
وانهارت الدنيا في عينيه.
كانت هي.
كانت هانا زوجته السابقة واقفة خلف الباب. شاحبة نحيلة يكسو وجهها خوف ثقيل. كانت حية.
حية.
توقف الهواء في صدره كليا كأنه غرق في فراغ مرعب
لم ينتظر إذنا. مد يده ودفع