لم يكن المليونير المفجوع يظن أن حياته ستتغيّر مرة أخرى

لمحة نيوز

الباب بقوة حتى ارتدت هانا إلى الوراء. دخل بخطوات مذعورة ونظره يفتش المكان كما يبحث الغريق عن سطح الماء.
وفي غرفة جلوس معتمة فوق أريكة باهتة جلست فتاتان صغيرتان ملتصقتان ببعضهما. شعرهما الطويل متشابك ووجوههما شاحبة لكنهما هما.
آفا وليلي.
فتاتاه. لحمه ودمه.
حقيقيتان.
ليستا تحت الرخام بل أمامه على بعد خطوات.
انهار على ركبتيه. خرج من صدره صوت لا يشبه بكاء البشر خليط مؤلم من الارتياح والذهول والانكسار. كأن قلبه يغلي داخل صدره بخيوط ألم لا تحتمل.
همست آفا
أبي
لكنها لم تتحرك نحوه. لم تركض. لم تمد يديها.
لم تتعرف عليه.
وكان ذلك أسوأ ألم شعر به في حياته.
جلس بخوف ثم رفع رأسه إلى هانا. سألها بصوت مبحوح كأنه يتكسر
كيف لماذا
جاء صوتها متقطعا تشوبه رجفة ذنب
ديون أشخاص خطرون تهديدات عرضوا علي المساعدة إن اختفيت. خفت على الفتيات خفت أن يأخذوهما مني.
حدق فيها بعينين مشتعلين.
سمحت لي أن أدفن توابيت فارغة. سمحت لي أن أقف لعامين أكلم الرخام وأظن أنني فقدت قلبي.
غطت وجهها بيديها وانهارت تبكي.
ظننت أنني أنقذهن.
أشار إلى الطفلتين اللتين تبكيان في الزاوية.
هذا ليس إنقاذا. هذا تحطيم.
خرج من المنزل ليلتقط أنفاسه فوجد الطفلة الصغيرة التي جاءت به واقفة قرب السور تمسك المال الذي أعطاها تنظر إليه بخوف.
اقترب منها وقال بصوت منكسر
لم تكذبي.
هزت رأسها بخجل دون ابتسامة.
مد يده إلى جيبه وأعطاها كل ما بقي معه خمسة آلاف دولار. كان صوته يختنق وهو يهمس
لقد غيرت كل شيء شكرا لك.
عاد مايكل إلى الداخل بخطوات ثابتة لكن بداخله عاصفة لا تهدأ. كان أكثر هدوءا نعم لكنه صار أكثر حزما من أي وقت مضى. وقف في منتصف الغرفة نظر إلى هانا نظرة طويلة لا تحمل غضبا صاخبا بل ألما ثقيلا وصل إلى آخر حدود التعب.
قال بصوت منخفض لكنه حاسم
نرحل الآن.
الفتاتان تأتيان معي الليلة.
لم تستطع هانا أن تتفوه بكلمة. بدا كأن السنوات التي عاشتها بالخوف جعلت جسدها هشا إلى حد العجز. وقفت جانبا تسمح لمايكل بجمع ملابسهما القليلة من صندوق بلاستيكي صغير. حملهما إلى السيارة والفتاتان تنظران إليه بعينين متسعتين فيهما قلق لا يعرف اسمه ولا سببه.
وعندما قاد سيارته عائدا إلى منزله الفخم شمال فينيكس كان المكان يبدو كأنه قصر مهجور. لأعوام طويلة ظل البيت ساكنا يخلو من الضجيج الذي كانت تحدثه ضحكاتهما الصغيرة. لكن حين فتحت الفتاتان باب غرفتهما القديمة بدا كأن الجدران تتنفس. سريران أبيضان صغيران دب ضخم مغطى بالغبار رفوف مليئة بكتب ملونة كل شيء ينتظر عودتهما منذ عامين كاملين.
لم تركضا إليه. لم تسقطا في حضنه. مجرد دخولهما الغرفة كان كافيا ليوقظ في داخلهما شيئا خافتا كشرارة صغيرة تعلن بداية إحياء ذاكرة منسية.
في المساء اتصل مايكل بأخيه دانيال. ما إن علم الأخير بالخبر حتى حضر بسرعة جعلت ملامحه تبدو وكأنها لم تلحق بمشاعره. عانقه وهو يكاد يبكي وقال
هل هذا حقيقي
أمضيا الليل يحاولان إعادة الحياة إلى البيت. أعدا طعاما بسيطا تحدثا بخفة ضحكا أحيانا وبكيا أحيانا أخرى. كل شيء فيهما يشبه إعادة بناء أيام سقطت ذات مرة من الذاكرة ولم يجداها إلا الآن.
في الصباح اتصل مايكل بأفضل اختصاصية نفسية للأطفال. وبعد حديث طويل قالت له
هذه رحلة طويلة يا مايكل. القلوب الصغيرة تحمل غضبا كبيرا وقد كرهتا صورتك لسنوات. ستحتاج إلى صبر أكبر مما تظن.
ابتسم رغم الألم وقال
سأفعل أي شيء أي شيء لأعيدهما إلي.
مرت الشهور. لم تكن سهلة بل كانت مليئة بالعثرات.
كوابيس.
صراخ.
نوبات غضب مفاجئة.
أحيانا كانت ليلي تبكي في منتصف الليل منادية والدتها. وأحيانا كانت آفا تصرخ في وجهه بأنه أخذهما بالقوة بأنهما تريدان
العودة. كان يحتضن صمته كدرع لا يرد لا يصرخ لا يدافع عن نفسه. فقط يبقى.
يبقى.
يستمع.
ينتظر.
حب الأب الحقيقي لا ينسحب.
ومع الوقت ومع جلسات العلاج والحديث الدافئ والسهر الطويل بدأت الجدران التي بنتها الأكاذيب تنهار ببطء. قطعة بعد قطعة.
حتى لم يبق منها شيء.
وعندما جاء وقت العدالة جلس مايكل في مكتب محاميه. كان أمامه ملف واحد قادر على سحق حياة هانا بالكامل وتعريضها للسجن وربما الأسوأ. نظر إلى الأوراق ثم أغلق الملف ووضعه على الطاولة وقال بصوت منهك
إن دمرتها ماذا سيعود على ابنتي
وبكلمات قليلة تم الاتفاق على أن تتنازل هانا عن كل حقوق الحضانة والولاية بلا صراع بلا محاكم بلا ضجيج. صفحة تنتهي دون أن تترك شقوقا جديدة في قلوب صغيرة تتعافى للتو.
عادت الفتاتان إلى المدرسة. صارتا تضحكان تصنعان صداقات جديدة وتكتشفان طفولتهما التي سرقت منهما لعامين. أما مايكل فقد رتب جدوله بالكامل ليكون موجودا معهما كل صباح ومساء. وأصبح دانيال العم المحبوب الذي لا ينتهي مخزونه من الحكايات والوجبات الصغيرة.
أما مادي تلك الطفلة التي بدأت الحقيقة بكلمة واحدة فقد تكفل مايكل بعلاج أمها واستأجر لهما منزلا آمنا ووفر الرعاية التي تحتاجانها دون أن يسمي ذلك فضلا أو منة. كان يقول دائما
هذا دين لن أستطيع رده كاملا ما حييت.
ومر عام ثم آخر.
شاركت آفا في
فريق الكرة الطائرة. وتعلمت ليلي الرسم حتى امتلأت جدران المنزل بلوحاتها الصغيرة. وفي بعض الليالي كانت تطلبان منه أن يقرأ لهما القصص التي كان يرويها قبل النوم حين كانتا أصغر.
وفي إحدى الأمسيات بعد أن انتهى من قراءة قصة قصيرة قالت له آفا بصوت خافت يكاد يكون همسا
شكرا لأنك لم تتوقف عن زيارتنا في المقبرة. لو أنك توقفت لما رأتك مادي.
شعر بأن قلبه ينكمش ويتوسع في اللحظة ذاتها. ابتسم وقال لها
بصوت متماسك
لم أستطع يوما أن أتخلى عنكما لا في الماضي ولا الآن ولا في أي وقت.
وفي تلك اللحظة احتضنتاه معا عناقا أعاد ترتيب روحه كما يعاد بناء شيء تهشم منذ زمن.
مرت سنوات أخرى. لم تكن تقاس بالأيام أو الأشهر بل بالضحكات التي عادت بالذكريات التي ولدت وبالحياة التي بدأت من جديد في بيت كان يوما قبرا صامتا.
وفي ظهيرة سبت دافئة جلس مايكل قرب المسبح يراقب آفا وليلي وهما تتراشقان بالماء تضحكان ضحكات صافية لا تشوبها ظلال الماضي. كان يرى في كل دفقة ماء وفي كل صرخة مرحة شيئا كان يظنه مفقودا روحه.
وشعر للمرة الأولى منذ أعوام بأن تلك المقبرة التي اعتاد زيارتها لم تعد جزءا من حياته. أن الألم القديم فقد سلطته أخيرا. أن الزنابق البيضاء التي كان يضعها فوق شاهدي قبرين فارغين لم تعد تحكمه.
دخل المنزل صعد إلى مكتبه الذي لم يدخله منذ زمن طويل فتح درجا قديما وأخرج إيصال شراء الزنابق البيضاء. ذلك الإيصال الذي حمل حزن عامين كاملين. نظر إليه طويلا ثم مزقه ببطء قطعة بعد قطعة.
وحين سقطت القصاصات البيضاء الصغيرة على الأرض شعر كأن ثقلا كان عالقا في صدره ينهار.
دخلت آفا وليلي تنظران إليه فسألته ليلي
ماذا كنت تفعل يا أبي
ابتسم بطمأنينة دافئة وقال
كنت أغلق الباب الأخير من الماضي.
سألته آفا بجدية أكبر من عمرها
هل انتهى الحزن
انحنى نحوها مسح شعرها برفق وقال بصوت يشبه الضوء
لم ينته لكنه لم يعد يحكمني.
ركضتا نحو الحديقة من جديد وخرج خلفهما يجلس قرب المسبح يراقبهما وهما تغمسان أقدامهما في الماء.
وفي داخله فهم الحقيقة التي تغير كل شيء
أن الإنسان لا يتعافى حين ينسى الألم بل حين يجد شيئا أقوى ليعيش لأجله.
وكان ذلك الشيء أمامه مباشرة
طفلتان أعاداه من موت داخلي عاش فيه أكثر مما يحتمل قلب واحد.
هكذا لم يعد الماضي قيدا ولا المقبرة
بيتا لروحه.
بل أصبحت مجرد صفحة طويت وبدأ بعدها عمر جديد ينتمي بالكامل للأحياء.

تم نسخ الرابط