ضبطتُ طفلاً في الثامنة من عمره يحاول إدخال زجاجة دواء خلسةً في جيبه
ضبطت طفلا في الثامنة من عمره وهو يحاول أن يخفي زجاجة دواء في جيبه خلسة. صرخ مديري بغضب لص! اتصلوا بالشرطة فورا!
فانهار الطفل على ركبتيه باكيا وقال بصوت متقطع
أرجوكم أمي لم تعد تحتمل الألم.
لم يكن المساء قد حل بعد حين دوى جرس صيدلية غاريس مخترقا سكون شارع تغطيه الرياح الباردة في أحد أحياء ديترويت. كان يوم خميس هادئا على غير عادة المدينة غير أن الباب حين انفتح لم يدخل زبونا معتادا بل دخل طفل نحيل كأن البرد قد نحت عظامه وشكلها بعناية قاسية.
كان اسمه ليو فانس في الثامنة من عمره بملامح شاحبة تشي بحرمان طويل. كان معطفه أكبر من مقاسه الحقيقي بمقاسين على الأقل وأكمامه مطوية فوق معصمين لا يكاد الجلد يغطي عظامهما. أما حذاؤه فكان ممسكا ببعضه بواسطة شريط لاصق رمادي فقد بريقه منذ زمن.
رفع الصيدلي هارولد غاريس رأسه من فوق الدفتر ونظر إليه بنظرة خبيرة تحمل في داخلها شكوك ثلاثين عاما من مراقبة الغرباء. كان يعرف جيدا تلك العلامات عيون تتفادى النظر المباشر خطوات مترددة
تمتم في نفسه
سارق متجر آخر يبدو أن الشتاء يجلب معه الكثير.
لكن الطفل لم يكن يتلفت حوله كجيل اللصوص الصغار بل كان يحدق نحو الرف الرابع حيث توضع الأدوية المخصصة لتسكين الآلام القوية. اقترب بخطوات مرتعشة وكأنه يخوض معركة ضد تردده. كان قلبه يخفق بشكل مؤلم ليس خوفا من انكشاف أمره فحسب بل خوفا من أن يعود إلى البيت خالي اليدين أن يعود وأمه ما زالت تصرخ في عتمة الغرفة.
لم يكن من أولئك الذين يمدون أيديهم بسهولة. أمه علمته أن اليد التي تأخذ دون حق تلطخ الروح وأن الصدق لا يقاس بالعمر بل بالنقاء. لكن ليلة الأمس لم تبق له خيارا. تحولت أنينها إلى شهقات متقطعة وصوتها المخنوق ظل يطعن قلبه الصغير حتى الفجر.
ومع آخر خيط من شجاعته مد يده وأمسك بزجاجة دواء كتب عليها
مسكن ألم فائق القوة.
ثم دسها داخل معطفه بسرعة متجها نحو الباب محاولا الحفاظ على هدوء لا يملكه.
لكن قبل أن يقترب
مهلا!
اندفع غاريس الخطوات القليلة الفاصلة بينهما والإصرار يتملك وجهه. حاول ليو الركض لكن ضعفه فضحه في اللحظة الأولى. أمسك الرجل بياقة معطفه وجذبه إلى الخلف فسقطت الزجاجة على الأرض وارتطم صوتها بالبلاط كأنها تعلن بداية مأساة.
صرخ الصيدلي
ماري! اتصلي بالشرطة فورا! هذا لص وسأرفع دعوى قضائية!
تجمد الطفل في مكانه ثم هوت ركبتاه كمن خارت قواه فجأة. غطى وجهه بكفيه الهزيلتين وقال بصوت ممزق
أرجوك يا سيدي لست أسرق لنفسي. أمي تصرخ طوال الليل. إنها لا تتحمل الألم هي بحاجة لهذا الدواء. سأعيد لك ثمنه أعدك لكن لا تدعها تموت.
لم يتأثر غاريس فقد رأى الكثير من الحيل. لكن حين وصلت السيارة الدورية بعد دقائق تغير كل شيء.
دخل الشرطي دانيال ميلر رجل خدم عشرين عاما في شرطة ديترويت. نظر مباشرة إلى الطفل إلى عينيه الغائرتين ورأى شيئا لم يكن يشبه المجرمين الصغار الذين تعامل معهم طيلة حياته. رأى خوفا حقيقيا وحملا أكبر بكثير من ثماني سنوات.
قال ميلر
لن أجر طفلا إلى السجن بسبب زجاجة دواء.
ثم انحنى والتقط الزجاجة دفع ثمنها للصيدلي دون جدال وركع بجانب الصبي.
أرني الطريق. خذني إلى والدتك.
اتسعت عينا ليو مزيج بين الأمل والارتباك ثم نهض بصمت وقاد الشرطي إلى الخارج.
كان ميلر يظن أنه رأى معظم ما يمكن أن تفعله الحياة بالبشر لكنه لم يكن يعلم أن ما سيواجهه بعد دقائق سيغيره إلى الأبد.
قاد ليو الطريق بينما كان الشرطي ميلر يسير خلفه متحفزا يحمل زجاجة الدواء بين أصابعه كما لو أنها آخر أمل في إنقاذ أحد ما. عبروا عدة شوارع حتى وصلوا إلى مبنى قديم يترنح تحت ثقل الزمن جدرانه المتآكلة مغطاة بطبقات من طلاء متقشر ورائحة العفن والزيوت المحروقة تتسرب من الممرات كأنها تعلن البؤس بصوت مسموع.
صعدا الدرج. كان ليو يلهث من السرعة والقلق يكرر على نفسه
أمي أمي لا بد أن تصمد فقط دقائق
توقف أمام باب خشبي مهترئ يحمل الرقم 4C ودون أن يتردد دفعه بيده الصغيرة كان غير مقفل.
انفتح الباب على مشهد صادم.
كانت الشقة أقرب إلى غرفة