ضبطتُ طفلاً في الثامنة من عمره يحاول إدخال زجاجة دواء خلسةً في جيبه
مهجورة منها إلى بيت. لا أثاث إلا طاولة ضيقة مغطاة بسيقان أكواب فارغة ومرتبة بالية على الأرض. الهواء ثقيل كأنه لا يتحرك معطر برائحة دواء قديم وعرق متجمد.
ركض ليو نحو المرتبة.
كانت سارة والدته مستلقية عليها. نحيلة إلى حد يوحي بأن المرض كان ينهشها منذ زمن طويل. وجهها شاحب وجبينها مبلل بالعرق وأنفاسها تصدر صوت خشخشة حادة تشعر السامع بأن كل شهيق قد يكون الأخير.
اقترب ميلر وشعر قلبه ينقبض.
لم تكن مجرد مريضة كانت امرأة على حافة الانهيار الكامل.
قال بصوت عاجل
سأتصل بالمسعفين فورا.
وبينما كانت أصابعه تبحث الهاتف حاول فتح غطاء الزجاجة الواقي للأطفال. انكسر الغطاء أخيرا بصعوبة فوضع حبة الدواء قرب شفتي سارة لكنها لم تستطع ابتلاعها إلا بمساعدة ليو الذي رفع رأسها بحنان لا يملكه إلا طفل حرمه القدر من طفولته.
فتحت سارة عينيها ببطء وتعرفت على وجه ابنها. ابتسمت ابتسامة ضعيفة أشبه بنور
بعد دقائق دوى طرق على الباب ودخل فريق الإسعاف.
وما إن رفع أحد المسعفين قميصها لوضع أجهزة تخطيط القلب حتى تجمد في مكانه.
كانت بطنها مليئة بندوب عمليات وكتل صلبة شاهدة على معركة طويلة مع مرض لا يرحم.
قال المسعف ديفيس بصوت منخفض لكنه واصل طعن الهواء بثقله
هذه علامات سرطان في مراحله الأخيرة. المرحلة الرابعة غالبا والألم الذي تتحمله يتجاوز قدرة أي إنسان.
شعر ميلر بقبضة في صدره. نظر إلى ليو الذي كان واقفا كجندي صغير يحدق في الوجوه بحثا عن بارقة أمل.
أشار أحد المسعفين
نحتاج نقلها الآن! حالتها غير مستقرة.
وبينما كانوا يستعدون لحملها لمح ميلر صندوق أحذية مهترئا تحت الطاولة وكأن ظل شك غامض مر بعقله. انحنى وفتحه.
لم يجد دواء كما توقع بل وجد أكواما من إيصالات الصيدليات
مسكنات
كان بعضها مثبتا بدبابيس مع أوراق مكتوبة بخط يد سارة تشير إلى أنها باعتها نقدا.
وتحت الإيصالات وجد شيئا أثقل من كل تلك الأوراق
قسائم رهن
خاتم زواجها
جهاز تلفزيون قديم
معطفها الشتوي
حتى حافظة نقود صغيرة ممزقة
وفي أسفل الصندوق وجد دفتر ودائع صغير يحمل مبلغا أثار دهشته
12450 دولارا.
فتح الدفتر بذهول وتوقف كان الاسم المكتوب هو اسم ليو.
أدرك حينها أن تلك المرأة الممزقة ألما لم تكن تجمع المال لعلاج نفسها
بل كانت تحفظ كل ما تستطيع ليقبل ابنها في مدرسة داخلية جيدة تقيه من الفقر والضياع.
ضحت بصحتها بل بحياتها.
باعت كل شيء حتى الخاتم الذي يذكرها بماض لم يبق منه سوى طفل يختبئ خلف المعطف الكبير.
لم يشعر ميلر بنفسه إلا وقد أمسك الصندوق بين يديه بقوة كأنما يخشى أن يضيع منه سر عظيم كشفه القدر له وحده.
نزل الدرج مسرعا خلف المسعفين
في المستشفى استقرت حالة سارة قليلا. كانت واعية بالكاد حين طلبت رؤية الشرطي. وقف قرب سريرها والضوء الأبيض ينعكس على وجهها المتعب.
رفعت يدها الضعيفة وأمسكت يده.
قالت بصوت متقطع لكنه يحمل يقينا كبيرا
رأيت الدفتر الآن تفهم. لم أرد أن يعيش ليو الألم الذي عشته. لو وضع في مدرسة جيدة ربما ينجو. أخبره أنني حاولت قدر ما أستطيع.
اختنق صوتها فسالت دمعة صامتة على خدها.
أغمضت عينيها وترك قلبها يتباطأ شيئا فشيئا.
ظل ميلر واقفا عاجزا عن قول كلمة بينما كان ليو يمسك يد والدته متوسلا لها أن تبقى.
وفي تلك اللحظة أدرك الشرطي أن حياة هذا الطفل أصبحت مسؤولية قلب آخر وأن القدر لم يعرض عليه قصة مأساة فقط بل عرض عليه فرصة ربما تكون الأخيرة لإنقاذ