المربية اكتشفت ما عجز عنه الأطباء الحقيقة كانت داخل وسادة الطفل
لكنها اضطرت
سيدي ابنك لم يكن يحتضر كان ينهك عمدا
وبذلك بدأ كل شيء يتغير
منذ تلك اللحظة التي سمع فيها فيكتور كلمات سيرينا تغير شيء عميق في العمق الذي اعتاد أن يختبئ خلف صلابته لم يعد الرجل نفسه كان يقف قرب سرير ابنه في المستشفى كأنه يقف أمام جرح صنعه بغير قصد جرح امتد لأربع سنوات من الخوف والطاعة العمياء لطبيب وثق به أكثر مما وثق بعقله
كانت التحاليل قاطعة نسب مرتفعة من المهدئات وحاصرات بيتا ومثبطات مناعة لا يمكن أن تعطى لطفل دون سبب طبي شديد فكيف بطفل نشيط كان من الممكن أن يحيا حياة طبيعية لو لم يسق إلى المرض سوقا
جلس فيكتور على الكرسي بجانب سرير لوكا يضع يده على جبينه الصغير وهو يهمس
لم أرك يوما كما أنت الآن
كان الطفل نائما أنفاسه هادئة للمرة الأولى لا أجهزة تتعقبه ولا وسائد مسمومة تعصر طفولته لم يشعر فيكتور يوما بالهشاشة كما شعر تلك الليلة رجل عرف بالقوة والصرامة لكنه الآن ينحني أمام ابنه كمن ينقذ نفسه أيضا
أما سيرينا فكانت تقف قريبة تراقب المشهد بإحساس معقد مزيج من الشفقة الانتصار والامتنان لأنها استطاعت في اللحظة المناسبة أن ترى ما لم يره أحد ولأول مرة شعرت أن وجودها في هذا القصر لم يكن مصادفة بل ضرورة كتبت قبل أن تصل
عادوا إلى القصر بعد أيام مر خلالها
وحين وطئت أقدامهم أرضية القاعة الرئيسية قال فيكتور بصوت ثابت
لن تبقى قطعة واحدة من ماضيه المسموم في هذا المكان
أمر بالتخلص من كل الوسائد كل الأدوية كل ما كان يربط ابنه بعهود المرض المصطنع بدا القصر وكأنه يتنفس للمرة الأولى نوافذه تفتح ستائره تتحرك برقة والحديقة التي كانت خامدة استعادت ألوانها
لكن التغيير الحقيقي لم يكن في الجدران بل في الطفل
صار لوكا يركض في الممرات يختبئ خلف الأعمدة يضحك يصرخ مرحا كانت ضحكاته ترتد على السقف العالي ثم تعود لتخبر كل ركن في القصر أن الحياة قد عادت وكانت سيرينا تلاحقه بابتسامة تتسع كل يوم كأن الطفل لا يتعلم فقط كيف يلعب بل كيف يحب من جديد
أما فيكتور فقد تبدل هو الآخر صار ينهي عمله مبكرا ليأخذ ابنه إلى البحيرة الصغيرة خلف القصر كان يعلمه ركل الماء بقدمه وكيف يصنع قاربا صغيرا من الورق وكيف يضحك دون حساب
كان كل يوم يمر يقترب فيه أكثر من سيرينا حتى بدأت نظراته تحمل اعترافا صامتا
أنها لم تنقذ طفله فقط بل أنقذته هو أيضا
مرت الشهور كأنها موسم طويل من التعافي وحين قرر فيكتور أن يتزوجها لم يكن القرار لحظة اندفاع بل كان يقينا يقين رجل أدرك أن الحياة
أقيم الزواج في حديقة القصر بين الأشجار التي تعافت أوراقها وبين أزهار أعادت الربيع إلى المكان كان لوكا يحمل الخاتمين بجدية مضحكة وصوته يصدح
أنا حامل الخاتم! انتبهوا لا أريد أن يسقط!
ضحكت سيرينا وضحك فيكتور وضحك حتى الخدم الذين لم يروا هذه السعادة منذ سنوات طويلة
كان ذلك اليوم بداية جديدة ليس لفيكتور وسيرينا فقط بل للقصر كله الذي بدا كأنه يخلع عباءة ظلمته القديمة
وبعد عام حدث ما جعل تلك البداية تكتمل
استيقظ لوكا في صباح ربيعي مشرق وقد امتلأت عيناه بلمعة غير عادية ركض عبر الممرات كفرس صغير ثم اقتحم غرفة والديه وهو يصرخ
أبي! أمي! استيقظا!
رفعت سيرينا رأسها شعرها منسدل فوق كتفيها وضحكت بخفوت كان لوكا يقفز فوق الغطاء كأنه يريد أن يوقظ الحياة كلها لا والديه فقط
قالت
ما كل هذا الحماس يا صغيري
اقترب منها وصوته ينخفض كأنه يحمل سرا عظيما
هل هل صحيح أنني سأصبح أخا كبيرا
ابتسمت له ثم وضعت يدها على بطنها كانت الإجابة واضحة قبل أن تنطق
نعم يا لوكا ستكون أخا كبيرا
انفجرت ضحكته من القلب ضحكة حملت شفاء في داخلها أعمق من الكلمات ثم تساقط على شعرها قبيلات صغيرة كأنه يحتفل بقدوم حياة
فتح فيكتور عينيه مندهشا لكنه أدرك في لحظة واحدة أن هذا المشهد سيظل محفورا في ذاكرته ما دام حيا
قال وهو يمرر يده على رأس ابنه
لم أظن يوما أن هذا البيت سيضيء مجددا
أجابته سيرينا بنبرة هادئة
لا تختفي الظلال يا فيكتور لكنها تتراجع حين يدخل الضوء
نظر إليها طويلا ثم قال بصوت لا يسمعه إلا قلبها
وأنت كنت الضوء
تلك الليلة حين نام الجميع خرج نسيم خفيف منحدرا من قمم الأشجار ودخل من نافذة غرفة لوكا استيقظ الصغير قليلا فتح الباب بخطوات واثقة نظر إلى غرفة والديه فرآهما هناك موجودين ثابتين يحيطان بطمأنينة لم يعرفها من قبل
أغلق الباب برفق وعاد إلى سريره مطمئنا لأول مرة في حياته
نما القصر في تلك الشهور التالية ليس في حجمه بل بما امتلأ به من دفء وطمأنينة صار بيتا حقيقيا لا مكانا محاصرا بالمرض والصمت صارت ضحكات
لوكا تلمع الجدران كأنها تمسح عنها غبار سنوات طويلة
وفي أحد الأيام الممطرة وقف فيكتور عند النافذة يراقب ابنه يدور تحت المطر بمظلته الصغيرة وهو يصرخ من الفرح شعر في تلك اللحظة بشيء يتكسر داخله شيء لم يكن ألما بل كان يشبه انكسار الجليد حين تعود الشمس
قال في سره
لم يكن الشفاء بل كانت ولادة جديدة
وفي النهاية أدرك حقيقة لم يعد يشك فيها
سيرينا
لكن لوكا هو من أنقذ الجميع