قالت الطفلة الصغيرة يا سيدي… أمي لم تعد إلى المنزل ليلة أمس فخرج المدير التنفيذي خلفها وسط الثلج

لمحة نيوز

قالت الطفلة الصغيرة يا سيدي أمي لم تعد إلى المنزل ليلة أمس فخرج المدير التنفيذي خلفها وسط الثلج
لم يكن المشهد الذي بدأ بتلك العبارة الصغيرة يا سيدي أمي لم تعد إلى المنزل ليلة أمس مجرد جملة ألقتها طفلة مذعورة بل كان الشرارة الأولى التي ستعيد ترتيب حيوات كاملة وتكشف ما تخفيه العواصف حين تضيع الخطى وسط الثلج.
وقفت الصغيرة أمام إيثان كالدويل المدير التنفيذي الذي اعتاد أن يسمع تقارير الأرباح لا نبض الخوف في صوت طفلة. كانت ترتجف كغصن هش وعيناها واسعتان كأنهما تبحثان عن يد تنقذ العالم من حولها.
لم يسألها أسئلة كثيرة ولم يظهر نفاد صبره المعتاد بل انحنى أمامها وقال بصوت خفيض يشبه ضوءا يشعل في آخر النفق
أين كانت آخر مرة رأيت فيها أمك
لم تكن الطفلة إيلا تعرف الإجابة بدقة. كل ما عرفته أن أمها خرجت للعمل في تلك الليلة الثلجية ولم تعد. وهكذا ودون أن يترك فرصة للبرد أن يتسرب إلى قلب الصغيرة أكثر نهض إيثان أمسك معطفه وقال لمساعده
اصطحبوها إلى القصر سأكون خلفكم مباشرة.
داخل القصر كانت المدفأة تتوهج بلهب دافئ تتصاعد منه رائحة القرفة كأن المكان نفسه يحاول أن يضم الطفلة بين ذراعيه. تحرك الموظفون بخفة يعرفها كل من عاش سنوات طويلة في خدمة رجل لا يسمح للفوضى أن تتسلل حتى إلى

حواف الطاولة.
طبيب على الخط ينتظر التعليمات وبطانية تسحب من أعماق الخزانة وكوب ماء ساخن يعد على عجل سلسلة من الخطوات الدقيقة تظهر أن القصر مهيأ لكل شيء إلا حدة الحزن التي انسكبت في قلب طفلة صغيرة.
جلس إيثان أمامها مسقطا عنه كل الألقاب التي ترافق اسمه عادة وقال
إيلا أحتاج فقط أن أعرف أين تعمل أمك.
رفعت رأسها وابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت
في مكان كبير يا سيدي فيه أضواء كثيرة وآلات كثيرة ويرتدون سترات ضخمة.
كانت كلماتها أشبه بخريطة صغيرة تشبه حكايات الأطفال التي تبدأ بخط باهت ثم تقود إلى شيء كبير.
أمسك هاتفه ومضت دقائق قليلة حتى ظهرت الحقيقة
منشأة هولدن الوردية الليلية اسم الموظفة سكارليت مورغان.
ثم ظهر السطر الذي جمد الدم في عروقه
لا تسجيل خروج. لا إشعار. لا أحد لاحظ أنها اختفت.
كانت كلمة مفقودة تتوسط جدول البيانات البارد كأنها صرخة مكتومة وسط عالم لا يرفع رأسه عن شاشاته.
نهض إيثان فجأة وأصدر أوامره بحدة لم يعرفها الموظفون منه من قبل
اتصلوا بالمشرف المناوب الآن.
تحولت الشركة كلها إلى خلية طوارئ. لم يعد الأمر متعلقا بموظفة غابت عن ورديتها بل بامرأة تواجه العاصفة وحدها وربما لم تعد تملك القوة لتصرخ.
وصل إيثان وطاقمه إلى منشأة هولدن بينما كان صوت الآلات يشق الهواء
كأنه دقات قلب متعب يرفض التوقف.
كان المشرف يتعثر في تفسيره للأحداث بينما يمشي إيثان بخطوات أسرع من الكلمات معطفه يترك أثرا طويلا فوق الثلج.
ولم يطل الأمر.
وجدوا سكارليت.
كانت متكورة قرب خزانة معدنية في غرفة الاستراحة كأنها تحاول أن تصبح جزءا من الجدار حتى لا يراها أحد ولا يطلب منها أحد أن تكمل العمل. وجدت إيلا أمها فصرخت ماما! وركضت نحوها بينما أصبح صوت إيثان ثابتا كخريطة يوجه بها المسعفين.
كانت سكارليت محمومة جافة الحلق ترتجف بإرهاق يقترب من الانهيار.
قال الطبيب في المستشفى بصرامة لا تحتمل الجدل
ساعة واحدة إضافية وكان يمكن أن يدخل جسدها في فشل عضوي كامل.
جلست إيلا تمسك يد أمها وبدت تلك اليد الصغيرة وكأنها تحمل العالم كله في قبضة مرتعشة.
أما إيثان فجلس على كرسي قربهما ينظر إلى المرأة المنهكة التي خرجت في العاصفة بحثا عن طفلتها رغم التعب الذي ينهشها.
لم يكن ينظر إليها كرقم في جدول أو موظفة ضمن المئات.
لأول مرة في حياته
رأى كيف يمكن للغفلة الإدارية أن تتحول إلى جرح إنساني.
وحين أفاقت سكارليت كان أول ما قالته
سيطردونني يجب أن أعود إلى العمل.
لم تكن تطلب شفقة كانت تحاول النجاة.
قبض إيثان على الهاتف واتخذ قرارا لم تكن الشركة تتوقعه.
وبحلول المساء كانت منشأة
هولدن تستقبل أول تعميم من نوعه
تقليل الحد الأقصى لساعات العمل.
فترات استراحة إجبارية.
صندوق دعم للحالات الطارئة.
برنامج كامل لدعم الموظفين الذين لديهم أطفال.
كانت كلمات بسيطة لكنها كانت ثورية.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة كتبت الشركة اعترافا ضمنيا بأن موظفيها بشر.
أما سكارليت فلم تكن تعرف أنها في تلك اللحظة بالتحديد تحت ضوء المستشفى البارد كانت على وشك أن تدخل حياة لم تتوقعها أبدا.
مر أسبوع كانت فيه سكارليت تتعلم من جديد كيف تتنفس دون خوف وكيف تسمح لجسدها بأن يستعيد عافيته دون أن يضغطها الزمن إلى زاوية ضيقة. وعندما عادت إلى شقتها الصغيرة وجدت على الطاولة قرب سريرها ظرفا أنيقا ختمه شعار الشركة.
قرأت الرسالة بصمت ومع كل سطر كانت تشعر بأن الحياة تمنحها نافذة جديدة
عرض عمل جزئي في المقر الرئيسي راتب أعلى ساعات مرنة إمكانية اصطحاب الطفلة عند الحاجة.
كان الخطاب يشبه يدا تنتشل بها من غرق طويل.
وفي يومها الأول داخل المقر الرئيسي كانت سكارليت تمشي بحذر يشبه حذر من يدخل عالما جديدا. الرائحة المختلفة للأخشاب المصقولة صوت أحذية الموظفين على الرخام المكاتب الهادئة كل ذلك جعلها تشعر وكأنها تقف في عالم لا يشبه حياتها السابقة في شيء.
أما إيلا فقد وجدت لنفسها ركنا صغيرا قرب
مكتب إيثان
طاولة صغيرة مقعد قصير علبة أقلام تلوين
تم نسخ الرابط