قالت الطفلة الصغيرة يا سيدي… أمي لم تعد إلى المنزل ليلة أمس فخرج المدير التنفيذي خلفها وسط الثلج

لمحة نيوز

ورف يحمل قصصا مختارة بعناية.
أعلنت الطفلة دون استئذان أنها ستقيم هناك كلما جاءت.
ومنذ ذلك اليوم بدأت التفاصيل الصغيرة تسحب المسافات بين عالمين مختلفين.
رأته سكارليت يربط رباط حذاء إيلا أثناء اجتماع مجلس الإدارة كأنه أب اعتاد هذه المهمة اليومية.
ورآها هو تغفو فوق ملفاتها بعد نهار طويل فيخلع معطفه ويغطيها به دون أن يترك أثر صوته يوقظها.
كما وجدت ذات صباح سلة أمام باب شقتها
بطانية ناعمة جوارب حرارية دفتر رسم لإيلا وكلمات موجزة كتبت بخط هادئ
استريحا هذا العالم يحتاج أمهات مثلك.
كانت السلة هدية صغيرة لكن أثرها بدا كبيرا كأن أحدهم يعيد إليها فكرة أنها ليست وحدها في هذا الطريق الطويل.
وأعادته إيلا بطفولتها إلى إنسان لم يعرفه في نفسه.
في عيد ميلاده أهدته بطاقة ملونة مائلة الخط مكتوب عليها بالوردي
عيد ميلاد سعيد يا سيد المعطف الدافئ نحن نحبك كثيرا.
علق البطاقة فوق جوائز الشركة وبدا المكان كأنه يلين من حوله.
ثم جاءت تلك الليلة التي لم يتخيل أحد أنها ستغير اتجاه القصة مرة أخرى.
هطلت الثلوج بغزارة وكان هناك إنذار خاطئ دفع الموظفين إلى التحرك بهدوء
مدروس.
وفي خضم ذلك اختفت إيلا بثوان قليلة.
لم يشعر إيثان ولا سكارليت إلا بالذعر يشق صدريهما.
راقبا كاميرات الأمن ورأيا طفلة صغيرة تمشي في الثلج قبعتها الرمادية تغطي حاجبيها.
قال إيثان دون تفكير
سأذهب لأحضرها.
اختفت برودة الاجتماعات من صوته.
ركض عبر الثلج يتتبع آثار أقدامها الصغيرة حتى وجدها قرب صندوق نفايات ترتجف كعصفور مبلل.
جثا على ركبتيه وفتح ذراعيه وهمس
أخفتني حد الموت يا صغيرتي
وصلت سكارليت وهي تتعثر في جليد الأرض وانحنت على ابنتها وعلى الرجل الذي يحملها وبكت كما لو أنها تبكي موسما كاملا من الخوف.
تشابكت أذرعهم الثلاثة بينما كانت العاصفة تعوي في الخارج كأنها آخر اختبار قبل أن تفتح لهم الحياة بابا جديدا.
منذ تلك الليلة أصبحوا يتحركون في البيت بانسجام مدهش كأنهم اعتادوا أن يكونوا عائلة منذ زمن بعيد.
أصر إيثان أن تأخذ سكارليت إجازة مدفوعة الأجر.
واستأجر شخصا يملأ خزانة مطبخهم بالطعام حتى لا تضطر للركض كل يوم وراء احتياجات لا تنتهي.
جلس قرب مائدتهم الصغيرة يراقب سكارليت وإيلا تعدان الفطائر بينما يتناثر ضحكهما مثل موسيقى تشعل البيت دفئا
غير مألوف له.
لم يغرقهما بوعود كبيرة ولم يقدم لفتات مبالغ فيها.
بل قدم شيئا أعمق استمرارا لا يخيب.
وظيفة لا تلتهم لياليها وساعات تسمح لها بأن تكون أما دون خوف وهدوءا في وجوده يجعل البيت ينضج بطمأنينة لم تختبرها منذ زمن.
ذات مساء أخرج من درج قديم حقيبة ظهر حمراء كتب عليها اسم إيلا بخيط أبيض.
وضعها أمامهما وقال
في حال رغبت أن تبقي.
كانت الجملة بسيطة لكنها حملت ما لم يجرؤ أن يقوله بعد.
أما سكارليت فقد كانت بطيئة في الإجابة.
حياتها علمتها أن العروض الجميلة تتحول أحيانا إلى أبواب مغلقة.
وأن رجلا من الطابق الأعلى قد يقف يوما بعيدا إذا ما ضاقت الحياة.
لكن الأمور تغيرت في تلك الليلة التي وقفت فيها بجواره في الحفل الخيري السنوي.
تحت قبة من الزجاج روى إيثان قصة طفلة مشت في الثلج بحثا عن أمها المنهكة وكيف أن الشركة تعلمت الإنسانية من خوف صغير في عينيها.
لم يذكر أسماء لكنه حين نطق اسم سكارليت على المسرح شعرت بأن الأرض تميل للحظة ثم تستقر عند اليقين.
ثبت وردة بيضاء على فستانها وهمس
أنت تستحقين أن تقفي شامخة.
بعد شهر وفي غرفة معيشة دافئة تجمع أصدقاء
وجيرانا صاروا أشبه بأسرة ثانية ركع إيثان على السجاد وهو يمسك خاتما صغيرا.
التفت أولا إلى إيلا وقال
دخلت حياتي بسؤال واحد أين أمي
ثم نظر إلى سكارليت وصوته يحمل اطمئنان رجل وجد أخيرا ما كان يبحث عنه دون أن يعرف
هل تسمحان لي أن آتي معكما إلى البيت كل يوم لبقية حياتنا
قالت سكارليت نعم قبل أن تكتمل الجملة أما إيلا فصفقت كأن العالم يبدأ لتوه.
مرت السنوات وصارت حياتهم سلسلة من التفاصيل الصغيرة التي تصنع سعادة لا يكتب عنها أحد في الصحف
موعد طبي يفوتهم كوب شاي يبرد على الطاولة رسم جديد تلونه إيلا نقاش حول كلب صغير يصر على إحداث الفوضى وضحكات تتناثر في الممرات كأن البيت يتعلم لغة جديدة.
لم يعد الثلج رمزا للخطر.
صار غطاء أبيض يلمع فوق التلة يشبه الصفحة الأولى لقصة اكتملت نهايتها بالسعادة.
ومع كل شتاء كانوا يعودون إلى البوابة التي بدأت منها الحكاية.
تمسك إيلا يد إيثان وترفع وجهها نحو النوافذ المضيئة وتقول
نحن ننتمي هنا.
فيرد بثبات رجل لا يخلف وعوده
وأنت كنت تنتمين منذ البداية.
كانت سكارليت تقف خلفهما تشعر بأن العالم عاد أخيرا إلى صفها.
وأن العائلة
التي خلقت من العاصفة
صارت اليوم بيتا كاملا لا يخاف أحد فيه من الغد.

تم نسخ الرابط