كلّ ليلة كانت حماتي تطرق باب غرفة نومنا عند الثالثة فجرًا، فوضعتُ كاميرا مخفية لأعرف ما الذي تفعله

لمحة نيوز

كل ليلة كانت حماتي تطرق باب غرفة نومنا عند الثالثة فجرا فوضعت كاميرا مخفية لأعرف ما الذي تفعله .لم أكن أتصور يوما أن البيت الهادئ الذي حلمت أن أقضي فيه بداية زواجي سيغدو مسرحا لقلق لا يهدأ وأن باب غرفة نومي سيصبح نقطة ارتكاز لحكاية غريبة تمتد جذورها إلى ما قبل زواجي بسنوات طويلة. كل شيء بدأ بطرق خافت متتال عند الثالثة فجرا طرقات تشبه الهمس لكنها تحمل ثقلا كافيا لإيقاظ قلبي قبل جفوني.
كنت وزوجي ليام نعيش في منزل صغير بمدينة بوسطن بيت تغمره السكينة ويغمره الضوء في الصباح وكأنه يحاول أن يربي الطمأنينة داخله. مر عام على زواجنا عام بسيط لكنه دافئ لولا أمر واحد كان يشق هدوء الليل نصفين والدته مارجريت.
كانت تظهر كل ليلة عند الساعة الثالثة تماما كأنها تضبط خطواتها على عقارب الساعة. ثلاث طرقات بطيئة متباعدة منتظمة كأنها تقرأ تعويذة قديمة لا يجوز كسر إيقاعها
طرق طرق طرق.
في البداية ظننت أن الأمر مجرد أرق يصيب امرأة مسنة ربما تنهض لتطمئن على شيء أو ليتأكد لها أن كل شيء في مكانه. كنت كلما أسرعت إلى الباب لأفتحه وجدت الردهة ساكنة لا تتحرك فيها حتى الذرات مضاءة بنور خافت يعكس ظلا عبثيا على الجدار. لا أحد. لا صوت.

لا أثر.
كان ليام يبتسم كلما أذكر له الأمر ويقول بنبرة يريد لها أن تكون مطمئنة
أمي لا تنام جيدا. أحيانا تمشي في الليل وحسب.
لكن مرور الليالي جعل داخلي يمتلئ بشيء يشبه الطرق ذاته إصرار غامض وإيقاع ثقيل يزداد كل ليلة. فمع كل طرقات كانت الأسئلة تتمدد في صدري. لماذا الثالثة تحديدا ولماذا تقف عند بابنا ولا تتحرك ولماذا تختفي قبل أن أفتح الباب بلحظة كأنها تسمع خطواتي من خلف الجدار
وبعد شهر كامل من القلق الذي لم يعد يتسع له صدري قررت أن أبحث عن الحقيقة بنفسي. اشتريت كاميرا صغيرة لا يتجاوز حجمها حجم علبة كبريت وثبتها فوق باب غرفة النوم بدقة حتى لا يلاحظها أحد. لم أخبر ليام خشيت أن يسخر من مخاوفي أو يتهمني بالمبالغة.
تلك الليلة جاءت الطرقات كالمعتاد متمهلة ثابتة توقظ صمت الليل وتتركه معلقا بيني وبين ليام الذي اكتفى بالتقلب في الفراش. تظاهرت بالنوم لكن قلبي كان يخفق كأنني أنتظر حكما سيقال بعد قليل.
وفي الصباح جلست أمام شاشة هاتفي وكأنني أفتح نافذة على حقيقة لم أعد أستطيع الهرب منها. ضغطت زر التشغيل وبعد لحظات ظهر مشهد جعل دمي يبرد في عروقي.
كانت مارجريت تمشي ببطء في الممر ترتدي ثوبا أبيض فضفاضا يلامس الأرض كأنه
يجر خلفه تاريخا أثقل من قامتها. توقفت أمام بابنا رفعت رأسها قليلا ثم نظرت يمينا ويسارا كأنها تتأكد من أن لا عين تراقبها. بعد ذلك مدت يدها وطرقت ثلاث طرقات ببطء يشبه التردد أو الطقس.
لكن ما جعل القشعريرة تزحف على ذراعي لم يكن الطرق بل ما حدث بعدها.
وقفت مارجريت ساكنة أمام الباب عشر دقائق كاملة. لا حركة. لا رمشة. لا كلمة. كانت تحدق في الباب وكأنها تسمع من ورائه شيئا لا يسمعه غيرها.
شيئا يخصها وحدها.
شيئا لا ينتمي لهذه الليلة ولا لهذا البيت.
عندما انتهى التسجيل التفت إلى ليام فوجدت وجهه شاحبا كأنه يعرف ما رأيت ولم يملك الشجاعة ليقول.
قلت له بصوت مكسور
أنت تعرف شيئا أليس كذلك
لم يجب مباشرة. ظل ينظر إلى الفراغ بضياع ثم قال أخيرا
أمي لديها أسبابها. لكنها لا تقصد الأذى.
لم تكن تلك الإجابة التي كنت أبحث عنها. كانت نصف حقيقة لا تكفي لتسكين مخاوفي. وفي تلك اللحظة شعرت أنني لم أعد أستطيع احتمال الغموض أكثر. وفي مساء ذلك اليوم وجدت مارجريت جالسة في غرفة الجلوس تحتسي الشاي بهدوء غير مألوف التلفاز أمامها بلا مشاهد حقيقية وكأنها تهرب منه كما تهرب من الليل.
قلت لها بثبات لم أكن أشعر به فعلا
نعرف أنك تطرقين باب غرفتنا
كل ليلة. رأينا التسجيل. أريد أن أفهم لماذا تفعلين ذلك
رفعت رأسها نحوي ببطء ونظرت إلي بعينين فيهما ظلال كثيرة ظلال لم أرها إلا في عيون أشخاص فقدوا شيئا عزيزا ولم يعرفوا كيف يضعونه في مكانه داخل القلب. قالت بصوت خافت
وما الذي تظنين أنني أفعله
ثم نهضت وغادرت الغرفة دون أن تشرح كلمة واحدة.
ذلك الرد لم يكن إجابة كان بداية هاوية.
وفي تلك الليلة فتحت بقية التسجيلات المخزنة في الكاميرا يداي ترتجفان وأنا أضغط على الملفات واحدا تلو الآخر حتى ظهر شيء آخر
شيء لم أتوقعه.
في كل مرة كانت مارجريت تطرق فيها الباب كانت تخرج من جيب ثوبها مفتاحا فضيا صغيرا وتضعه على القفل لثوان دون أن تديره فقط تلمسه كما لو أنها تختبر وجوده ثم تبتعد.
ند في داخلي خوف لم أعرف له اسما.
وفي الصباح بدأت أفتش أدراج ليام بحثا عن أي تبرير أي خيط يمكن الإمساك به. وهناك وجدت دفترا قديما صفحات صفراء كتبت بخط مرتجف أحدها يقول
أمي تفحص الأبواب كل ليلة. تقول إنها تسمع أصواتا. أنا لا أسمع شيئا لكنها تصر. أظن أنها تخفي أمرا ما.
وعندما قرأ ليام ما وجدته انهار بالبكاء.
وهنا بدأت الحقيقة تفتح مثل باب ظل مغلقا لسنوات.
جلس ليام على طرف السرير يدفن وجهه بين
كفيه وصوته يمتلئ بذنب عمره أطول من
تم نسخ الرابط