كلّ ليلة كانت حماتي تطرق باب غرفة نومنا عند الثالثة فجرًا، فوضعتُ كاميرا مخفية لأعرف ما الذي تفعله

لمحة نيوز

زواجنا بكثير. وعندما رفع رأسه أخيرا كان يبدو كمن يحمل ذاكرة ثقيلة يحاول كسر قفلها منذ سنوات.
قال بصوت متحشرج
بعد وفاة أبي تغيرت أمي. لم تعد تنام. كانت تستيقظ مذعورة كل ليلة تجري إلى الأبواب والنوافذ تفحص الأقفال مرارا وتبكي أحيانا دون سبب ظاهر. كنت صغيرا ولم أفهم لكنني أدركت لاحقا أن شيئا ما حدث لها شيء جعل الليل عدوها.
اقتربت منه وسألته بهدوء يخفي اضطراب قلبي
وماذا كانت تقول
تردد قليلا ثم أجاب
كانت تقول إن عليها أن تبقي الأبواب مغلقة حتى لا تدخل هي.
ارتجف بدني بالكامل.
سألته
من
أجاب دون أن يرفع عينيه
كانت تقصد أي امرأة قد تأخذني منها.
في تلك اللحظة شعرت بأن الخوف أصبح شيئا ملموسا يسكن معنا في هذا المنزل لا مجرد فكرة. شعرت بأن باب غرفتنا لم يكن هو المقصود بل أنا.
وفي تلك الليلة قلت لليام بوضوح لا يحتمل التأجيل
لا أستطيع البقاء في هذا الوضع. إما أن تحصل والدتك على مساعدة أو سنفقد جميعنا السيطرة.
هز رأسه موافقا كأنما انتظر من يشاركه هذا القرار منذ زمن وبعد أيام أخذنا مارجريت إلى طبيب نفسي في كامبريدج. كانت تجلس أمام الطبيب بصمت ثقيل يداها مشبوكتان في حجرها وقلبها يشبه نافذة مكسورة لا تعرف كيف
تغلق من جديد.
حكينا للطبيب كل شيء
الطرقات المفتاح وقفتها الطويلة أمام الباب همساتها خوفها الدائم. ظل ينصت إليهما دون مقاطعة ثم التفت إليها بلطف وسأل
مارجريت ماذا تعتقدين أنه يحدث في الليل
لم تجب مباشرة. كان صوتها حين خرج أخيرا يشبه الريح حين تمر عبر مكان مهجور منذ زمن
يجب أن أتأكد أنه بخير أنه لن يعود لا أريد أن أفقد ابني مرة أخرى.
ثم انطفأ صوتها كما ينطفئ ضوء يوشك على الانهيار.
بعد الجلسة استدعانا الطبيب منفردين ليكشف حقيقة لم نتوقعها.
قال بصوت هادئ يحمل خبرة السنين
منذ ثلاثين عاما كانت مارجريت تعيش مع زوجها في شمال نيويورك. في إحدى الليالي اقتحم رجل غريب منزلهم. حاول زوجها مواجهته لكنه لم ينج. ترك هذا الحدث ندبة عميقة في قلبها. ومنذ تلك اللحظة أصبحت تخاف الليل وتراقب الأبواب لتتأكد أن الخطر لن يعود.
تنفست بصعوبة وأنا أحاول استيعاب الصورة التي أرسمها كلماته.
وماذا عني
سألته.
أجاب الطبيب
حين ظهرت في حياة ليام امتزج الخوف القديم بصورتك. لم تكن تكرهك لكنها رأت فيك استمرارا لتهديد قديم. بالنسبة لها كل امرأة يمكن أن تسلب منها ابنها تشبه ذلك الرجل الذي سلبها زوجها.
شعرت بالذنب يتسرب إلى داخلي كالماء
البارد.
كنت أظنها تخيفني لكن الحقيقة أن الخوف كان يحاصرها هي.
قال الطبيب
ستحتاج إلى علاج طويل وصبر أكبر. الصدمة لا تختفي بسهولة لكنها تخف حين تحاط بالطمأنينة.
في تلك الليلة طرقت مارجريت باب غرفتنا لأول مرة وهي تمسك الباب لا تطرقه. كانت تبكي بصوت يمنع الكلمات من الخروج. اقتربت منها ووجدتها تقول بين شهقات متقطعة
لم أكن أريد أن أخوفك فقط أردت أن أتأكد أنه بخير أن لا أحد سيأخذه مني.
للمرة الأولى مددت يدي وأمسكت يدها. لم أفعل ذلك بدافع الشفقة بل بدافع إنسانية شعرت أنها عالقة بينها وبين ماض مكسور. قلت لها برفق
اطمئني لا أحد سيأخذه. ولا داعي للطرقات بعد الآن. نحن بخير كلنا.
انهارت في حضني تبكي كطفلة كأنها عاشت سنوات طويلة تبحث عن كلمة واحدة أمان.
الأيام التالية لم تكن سهلة أبدا. كانت تستيقظ أحيانا منتصف الليل مذعورة تقول إنها سمعت خطوات في الممر أو صوت باب يفتح وكأن الماضي لا يزال يجر أذياله داخل عقلها. أحيانا كنت أفقد صبري يرهقني السهر والخوف لكن ليام كان يضع يده على كتفي ويقول
هي ليست عدونا إنها فقط تحاول أن تشفى.
عندها قررت أن نخلق روتينا جديدا يربطنا بالأمان
كل ليلة قبل النوم نفحص الأبواب والنوافذ
معا. خطوة خطوة ببطء حتى تهدأ مارجريت. ثم نحتسي الشاي في المطبخ بدلا من انتظار الخوف.
ومع الوقت بدأت مارجريت تتكلم أكثر.
كانت تحكي عن زوجها الراحل وعن الليلة التي غيرت حياتها وعن السنوات التي لم يزرها فيها النوم إلا قليلا. كانت الكلمات تخرج منها بصعوبة كأنها تستعيد أجزاء من قلبها كانت مقفلة منذ زمن.
وبعد أسابيع توقفت طرقات الثالثة فجرا.
لم نحتفل بانتهاء الصوت بل احتفلنا بعودة الروح.
البيت تغير.
مارجريت تغيرت.
عيونها صارت أقل ارتجافا ونبرة صوتها أخف وابتسامتها تعود كضوء خافت لكنه ثابت.
قال الطبيب إن هذا تقدم.
أما أنا فسميته سلاما.
سلاما لم يبن في ليلة بل تكون ببطء شديد مثل شروق يتسلل إلى غرفة كانت غارقة في الظلام.
وفي النهاية أدركت شيئا مهما
الشفاء لا يعني محو الماضي بل حمله دون أن يجر صاحبه نحو الهاوية.
لا يعني أن نغلق الجراح بل أن نتعلم العيش معها دون ألم دائم.
أن نكون إلى جانب إنسان يخاف لا لنقنعه بأن خوفه غير منطقي بل لنقول له
لن تواجه هذا وحدك.
وهكذا حين اختفت طرقات الثالثة فجرا علمت أننا لم نغلق بابا بل فتحنا بابا آخر.
بابا يؤدي إلى حياة تبنى من جديد تدريجيا كحقل تنمو فيه براعم صغيرة رغم
البرد الطويل.
وكان ذلك
أعظم انتصار عرفته قلوبنا.

تم نسخ الرابط