كسرت البلاط… فوجدت ما لم تتخيله روح بشر

لمحة نيوز

كسرت البلاط فوجدت ما لم تتخيله روح بشر
لم تكن تلك الليلة تحمل أي علامة استثنائية بل بدت في ظاهرها مثل عشرات الأمسيات التي مرت علي دون أن ألتفت إليها. كنت واقفة في المطبخ أغسل الصحون بهدوء أستمع لارتطام الماء بجدران الحوض وكأنه موسيقى رتيبة تعلن انتهاء يوم طويل. كان ابني يلعب لدى الجيران وزوجي خرج منذ دقائق لقضاء بعض الحاجات. بدا كل شيء ساكنا مطمئنا خاليا من أي نذير خطر.
لكن الطمأنينة كما اكتشفت لاحقا قد تكون أحيانا أخطر من القلق ذاته.
في تلك اللحظة شعرت بشيء يقترب خلفي إحساس خافت لكنه شديد الوضوح كأن الهواء نفسه تغير. استدرت بسرعة فوجدت حماي واقفا في مدخل المطبخ. لم يكن صوته هو ما أقلقني بل ملامحه تلك النظرة الغريبة التي لا تمت للرجل الطيب الذي عرفته يوما بصلة. كانت عيناه حادتين تبحثان في وجهي كأنه يفتش عن تصدع خفي لا يراه أحد غيره.
قال بصوت خافت غلب عليه الارتجاف
يجب أن نتحدث.
جففت يدي على منشفة قريبة وحاولت أن أبدو مطمئنة رغم اضطراب قلبي.
خير يا عمي ماذا هناك
اقترب خطوة ثم خطوة أخرى حتى شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس وجهي. مال نحو أذني وهمس بجملة

أربكتني جملة لم أفهمها إلا بعد فوات الأوان
طالما أن ابنك خارج البيت خذي المطرقة وكسري البلاطة خلف المرحاض. لا أحد يجب أن يعرف.
ارتسمت على وجهي ابتسامة مرتبكة. ظننت أن حماي بدأ يهذي أو ربما فقد صوابه من ضغط الأيام. فقلت بتوتر مفتعل
لكن لماذا نخرب الحمام نحن سنبيع هذا البيت قريبا
لم يمهلني لأكمل الجملة. أمسك بيدي فجأة قبضة قاسية لا تشبه يد رجل مسن. نظرت إليه مذهولة فرأيت في عينيه شيئا لم أره يوما خوفا حقيقيا خوفا لا يتصنعه أحد.
همس بصوت مبحوح
زوجك يخدعك الحقيقة هناك.
ارتجفت روحي قبل يدي. تلك الجملة بكل غموضها كانت كفيلة بأن تزرع في صدري بذور قلق لم أجد لها تفسيرا. ومع ذلك حاولت تجاهل الأمر لكن الفضول ذلك الوحش الذي لا يرحم بدأ يلتهمني بصمت.
بعد نصف ساعة فقط وجدت نفسي واقفة داخل الحمام الباب مغلق بإحكام كأنني أختبئ من العالم. أمسكت المطرقة وقلبي يدق بعنف ونظري معلق بالبلاطة البيضاء خلف المرحاض البلاطة التي ركبها زوجي بنفسه والتي لم أتخيل يوما أنها تخفي خلفها قصة.
ترددت طويلا.
هل أحطم هذا هل يعقل أن يكون حماي على حق أم أنه يهذي
لكن يدي دون وعي رفعت المطرقة.

الضربة الأولى كانت خفيفة مجرد شرخ بسيط شق سطح البلاطة.
الضربة الثانية أقوى بكثير تبعتها قطعة كبيرة سقطت على الأرض بصوت أجوف جعلني أقشعر.
ثم انكسر الصمت وانشق الجدار.
انحنيت قليلا وأضأت مصباح الهاتف. ظهر ثقب خلف الحائط ثقب أسود كفم مفتوح ينتظر أن يبتلع شيئا. رأيت في داخله شيئا يلمع بخفوت شيئا بدا للوهلة الأولى كقطعة بلا قيمة لكنه لمعان غير مريح لمعان ينبهك بأن هناك سرا مدفونا.
مددت يدي المرتعشة داخل الظلام فلامست سطحا بلاستيكيا خشنا. كان كيسا أصفر مهترئا يصدر صوت احتكاك مزعجا. سحبته ببطء وعيناي لا تفارقان الثقب كأنني أخشى أن تمتد منه يد خفية وتمسك بي.
وقعت على البلاط من شدة رجفة قدمي. الكيس بدا رخيصا عاديا خاليا من أي أهمية. لكن حين فتحته
اختنق صوتي في حنجرتي. وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ.
داخل الكيس كانت هناك أسنان بشرية. عشرات بل ربما مئات. أسنان صغيرة وكبيرة بيضاء وصفراء بعضها مكسور بعضها كامل وكأنها تبتسم ابتسامة ميتة لا تشبه أي ابتسامة عرفتها البشرية.
تجمدت أطرافي.
تجمد عقلي.
تجمد كل شيء.
تراجعت إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بالحائط وحملت الكيس بين
يدي كأنني لا أصدق ما أراه. كان المشهد أكبر من قدرتي على الفهم أكبر من احتمالي أكبر من أي كابوس مر بخيالي.
بعد دقائق من فقدان التوازن خرجت من الحمام أترنح كمن يسير في حلم ثقيل. ذهبت إلى حماي ووجهي يفقد لونه. وما إن رأى الكيس حتى تنهد تنهيدة طويلة كأنها حملت على صدره سنوات من الكتمان.
قال بصوت مكسور
إذا لقد وجدتها.
تلعثمت الكلمات في فمي
ما ما هذا! لمن هذه الأسنان!
خفض رأسه كأن الخجل يسحبه إلى الأرض وظل صامتا لحظات ثقيلة قبل أن يهمس
زوجك ليس كما تظنين.
كانت تلك اللحظة بداية الانهيار اللحظة التي أدركت فيها أن حياتي بكل ما فيها من ثقة وأمان كانت مبنية على وهم.
تراجعت خطوة إلى الوراء كأن الكلمات التي قالها والد زوجي صفعتني بدلا من الهواء. كان قلبي يخفق بقوة وصدري يضيق وعيناي تبحثان في ملامحه عن تفسير عن أي خيط يمكن أن يربط هذا الجنون بما أعرفه عن زوجي. لكن الرجل ظل واقفا وجهه شاحبا وكأن سنوات طويلة من الصمت بدأت تتفكك داخله الآن فقط.
قلت بصوت متقطع
زوجي ماذا تقصد! هذا هذا مستحيل!
رفع رأسه ببطء وكأنه يحمل فوق عينيه ثقلا لا يطاق ثم تمتم
ابنتي هناك أمور لا
يتحملها الإنسان إلا إذا عاش معها طويلا.
تم نسخ الرابط