كسرت البلاط… فوجدت ما لم تتخيله روح بشر
وأنا صمت لأنني كنت أظن أن الماضي لن يعود. لكنه عاد عاد على هيئة كيس أصفر خلف بلاطة.
اقتربت منه وملامحي تمتزج بين الخوف والإنكار
أرجوك أريد الحقيقة كاملة.
جلس حماي على الكرسي الخشبي المجاور وانحنى بجسده المتعب ثم مسح وجهه بكفه كمن يحاول طرد ذكرى مرعبة. قال بصوت خافت
ابني زوجك كان مختلفا منذ صغره. كان يجمع الأشياء غريبة كانت أو عادية يحتفظ بها يخفيها يدافع عنها بشراسة إن حاول أحد الاقتراب.
تجمدت أنفاسي.
لقد عرفت زوجي لكنني لم أعرف طفولته ولا أسراره.
تابع الرجل حديثه وصوته يختنق مع كل كلمة
بدأ الأمر بأسنان الحليب. كان يحتفظ بأسنانه التي تسقط ويحتفظ بأسنان أصدقائه. كنا نظنها مرحلة طفولية. لكن مع الوقت بدأ يجمع أشياء أخرى.
وضعت يدي على فمي من جديد. لم أفهم بعد لكن حدسي كان يصرخ بأنني على وشك سماع ما لا يمكن احتماله.
كبر وصار يتعمد الذهاب إلى عيادات الأسنان. كان يسأل الأطباء عما يتخلصون منه ثم يحضر الأكياس إلى المنزل يخفيها في غرفته. لم نعرف أين يخبئها لكنه كان
بدأ العرق يتسلل إلى جبيني.
تذكرت زوجي هدوءه الزائد طريقته في تنظيم الأشياء بدقة نظراته الطويلة للأشياء الصغيرة تلك التفاصيل التي لا نعطيها وزنا إلا حين نرى الظلام خلفها.
سألت وأنا أرتجف
ولماذا أخفيت الأمر عني لماذا لم تخبرني قبل الزواج
أغمض عينيه ثم قال بصوت مكسور
لأنني صدقت كذبته.
صمت لحظة ثم أضاف
حين جاء ليتزوجك أقسم أنه ترك كل ماضيه خلفه. قال إنه صار رجلا جديدا. وأنا أردت أن أصدقه. أردت أن يعيش حياة طبيعية بعيدا عن كل ما جعله غريبا.
شعرت وكأن الحائط يميل فوق رأسي.
الهواء صار أثقل وأفكاري تعلقت بين نوبات صدمة متلاحقة.
نظرت إلى الكيس الذي ما زلت أمسك به فرأيت الأسنان تتلألأ في الظل كأنها تهمس لي لم يتغير لم يتغير قط.
سألته بحدة هذه المرة
ولماذا الآن لماذا طلبت مني هدم البلاطة
تنفس بعمق ثم قال
لأنني رأيته يدخل الحمام في الليلة الماضية أطال الجلوس هناك ثم خرج وعيناه تلمعان بطريقة لم أرها منذ سنين. أحسست بأن شيئا ما عاد
ارتجفت.
زوجي دخل الحمام بعد منتصف الليل قبل أن يخرج صباحا ويذهب للتسوق تاركا لي هذا الكابوس.
لكن سؤالا أخطر تملكني فجأة
لماذا خبأ الكيس خلف البلاطة
نظر إلي والد زوجي ببطء وكأن الإجابة نفسها مرعبة
لأن المكان قريب منا من غرفتكما من ابنك. لأنه أراد شيئا أكثر من مجرد جمع. شيئا مخيفا.
شعرت بأن الأرض اهتزت تحت قدمي فعلا كما لو أن الزمن يسحبني إلى نقطة فارغة لا أعرف نهايتها.
حملت الكيس وخرجت من المنزل. لم أشعر بقدمي لم أفكر في أي شيء. كان الهواء الخارجي باردا لكنه لم يطفئ النار التي اشتعلت داخلي. كانت الأسئلة تتصادم في رأسي بلا توقف
ماذا لو كان زوجي يجمع الآن شيئا آخر
ماذا لو كان هذا الهوس لم يتوقف يوما
وماذا لو كان الأمر يتجاوز مجرد الأسنان
وقفت في الحديقة أتأمل السماء التي غطتها الغيوم وكأن الليل نفسه يراقبني. كنت أسمع صوت ابني يلعب عند الجيران ضحكته البريئة تشق قلبي نصفين بين خوف الأم وغضب الزوجة.
في تلك اللحظة سمعت باب السيارة يغلق. استدرت
لكن الآن تلك الابتسامة بدت مريبة.
باردة.
ممتدة أكثر مما ينبغي.
رآني واقفة ورأى الكيس في يدي.
تجمد لثانية واحدة فقط لكنني رأيت كل شيء في عينيه رأيت صدمة مفاجأة ثم خوفا ثم غضبا وأخيرا شيئا مظلما للغاية.
شيئا فهمت عند رؤيته أنني لم أعرف الرجل الذي تزوجته قط.
اقترب بخطوات بطيئة ووضع أكياس المتجر على الطاولة الحجرية ثم رفع نظره نحوي وقال بصوت ثابت
أين وجدت هذا
كان سؤاله لا يحتاج إجابة.
كان يعرف.
كان يخشى أن لا يكون السر سرا بعد الآن.
لم أنطق.
لم أتحرك.
اقترب أكثر حتى صار بيننا خطوة واحدة.
رفع يده ببطء وكأنه يريد استرداد الكيس لكنني أمسكت به بقوة خطوة دفاعية لم أعتد على اتخاذها أمامه.
في تلك اللحظة بالذات أدركت الحقيقة التي حاولت طوال الوقت الهروب منها
أن رعب تلك الليلة لم يبدأ حين حطمت البلاطة بل بدأ يوم أحببت رجلا لم
وأن ما ينتظرني كان أكبر بكثير مما اكتشفت.