كنت أعلم أن زوجتي السابقة ستتزوج رجلاً فقيرًا، فقررت الذهاب للسخرية منها
كنت أعلم أن زوجتي السابقة ستتزوج رجلا فقيرا فقررت الذهاب للسخرية منها
ما زلت أذكر تلك اللحظة كما لو أن الزمن لم يجرب المرور فوقها قط. كانت المدينة تغلي بالضوضاء والشارع المتسع أمام المقهى يعج بسيارات لا تهدأ بينما كنت أجلس في ركني المعتاد أرتشف قهوتي الفاخرة بتنهيدة تشي بالكثير من الضجر والقليل من الادعاء. لم أكن أتابع شيئا على هاتفي بتركيز فقط كنت أتنقل بين التطبيقات كما يفعل المرء حين يحاول الهرب من ذاته لا من شاشة صغيرة.
فجأة اهتز الهاتف بين يدي ثم ظهر اسم لم أره منذ سنين كلارا. صديقتي في الجامعة أو هكذا كنا نسمي بعضنا في ذلك الوقت. كانت صوتا صاخبا في حياته وضحكة عالية في وجوه الآخرين وجرس إنذار لا يخيب حين يلمح مادة للسخرية أو فرصة للثرثرة.
فتحت المكالمة وبينما كنت أتهيأ لابتسامة مصطنعة سبقتني هي بكلماتها دون تحية أو مقدمات
تخميني واحد من التي ستتزوج
رفعت حاجبي بفتور وكأنني أقول لا أحد يهم.
لكنني أجبت بنبرة محايدة
من
ضحكت ضحكة قصيرة تلك التي اعتدناها نصفها خبث ونصفها الآخر متعة بفضائح الآخرين
أنتونيو نعم تلك الأنتونيو خاصتك.
تصلبت في مكاني.
الأنتونيو خاصتي اسم لم يمر على قلبي منذ سنوات لكنه حين عاد
توقفت أصابعي عن الحركة وبصوت خافت لا يشبه ثقتي المصنوعة قلت
وماذا عن زواجها
أجابت كلارا بنبرة متلذذة
ستتزوج عامل بناء! رجل فقير لا مال ولا نسب ولا أي شيء مثير للإعجاب. تخيلي قد تفوح منه رائحة الإسمنت طوال اليوم!
ضحكت.
ضحكة عالية مصطنعة هشة تشبه تماما الضحكات التي تطلقها النساء حين يحاولن تغطية ارتباكهن بالتهكم.
ثم قلت وأنا أحاول أن أبدو منتصرة
هكذا إذن من حفلات كلية الحقوق إلى الطوب والمجارف.
ضحكنا معا ضحكة سطحية لا تمت للصدق بصلة.
لكن الحقيقة كانت أبعد ما تكون عن الضحك.
كنت لست بخير.
ولم أكن مستعدة للاعتراف بذلك حتى أمام نفسي.
كانت أنتونيو صديقتي في أيام الجامعة أو ربما كانت أكثر من مجرد صديقة. لم تكن علاقتنا حبا صريحا لكنها كانت شيئا قريبا من الحب ذلك الخيط الخفي الذي لم نتجرأ يوما على سحبه للنهاية.
كانت زميلتي في السكن هادئة بقدر يكفي لإرباكك لطيفة بقدر يجعلك تشعر بأنك مخطئ مهما فعلت وصبورة إلى حد يستفز من يعتقد أن العالم يدور حوله.
كنت أعجب بها وأغار منها في الوقت ذاته.
هي التي أحبها الجميع بلا مجهود أساتذة وزملاء وحتى الغرباء الذين كانوا يبتسمون لها تلقائيا. كنت أرى فيها شيئا لا
كنت أظنها ثابتة لا ترحل لا تتغير.
ولهذا لم أحاول الإمساك بها حين افترقنا بعد التخرج.
أما أنا فقد انطلقت نحو الحياة التي حلمت بها وظيفة مرموقة راتب كبير ملابس من علامات فاخرة رحلات نهاية أسبوع حياة تلمع وإن كانت فارغة.
ولأسباب لا أعترف بها عادة توقفت عن متابعة حساباتها.
كنت أعرف أن رؤية سعادتها ستربكني ستؤلمني ستكشف هشاشة ما أبنيه منذ سنوات.
ولهذا حين أخبرتني كلارا أنها ستتزوج رجلا فقيرا شعرت براحة قاسية.
راحة فيها قدر من الشماتة لا أحب الاعتراف به.
قلت لنفسي بثقة مصطنعة
جيد دعينا نرى كيف سينتهي خيالها الوردي الآن.
في يوم الزفاف وصلت إلى القاعة.
ما إن نزلت من سيارتي حتى شعرت بالأنظار تتبعني
نظرات إعجاب فضول وربما بعض الغيرة.
كنت أرتدي فستانا أخضر حريريا مصمما خصيصا لي وحذاء ثمنه يتجاوز راتب شهر كامل لشخص عادي.
أخبرت نفسي أنني جئت بدافع الفضول
لكن الحقيقة أنني أردت إثبات شيء.
أنني نجحت.
أنني ربحت.
وأن خروجها من حياتي كان خسارة لها لا لي.
دخلت القاعة.
كانت بسيطة على نحو أربكني زهور بيضاء شرائط حريرية موسيقى كمان خافتة.
لا
كان الجو مشبعا بنوع من الطمأنينة النادرة تلك التي لا تشترى بمال ولا ترتبط بمستويات اجتماعية.
ثم تغيرت الموسيقى.
استدار الحضور نحو المدخل.
ودخل العريس.
في اللحظة الأولى لم أتعرف عليه.
كان يرتدي بدلة بسيطة بلا ربطة عنق بلا ماركات لكن في مشيته هدوء رجل يعرف نفسه جيدا.
وفجأة توقفت عند تفصيلة صغيرة
ساق اصطناعية تظهر من ثنية البنطال.
ثم عادت إلي الذكرى كصفعة.
إميليو.
ذلك الشاب الهادئ في الجامعة المتواضع الذي لم يطلب اهتمام أحد ولا حصل عليه.
ذلك الذي فقد ساقه في حادث مأساوي خلال سنتنا الأخيرة ثم عاد بابتسامة أدهشتنا جميعا ابتسامة لم تكن هروبا بل شجاعة نقية.
والآن هو زوج أنتونيو.
دخلت أنتونيو القاعة بخطوات هادئة تشبهها تماما خطوات ليست متعجلة ولا مترددة بل خطوات امرأة تعرف إلى أين تذهب ولم تذهب.
كانت ترتدي فستانا أبيض ناعما من نوع لا يصرخ بالفخامة ولا يتوسل الإعجاب بل يكتفي بأن يكون صادقا مع بساطتها.
لم تكن الأكثر جمالا في المكان ولم تكن الأبهى ولا الأثرى
لكنها كانت الأصدق حضورا.
وحين ظهرت ابتسامتها تلك الابتسامة التي كنت أهرب منها دائما شعرت بشيء غريب يشبه الألم يشبه الاشتياق يشبه
ولما اقتربت