زواج مقابل الديون ينقلب إلى حب يغير المصير

لمحة نيوز

زواج مقابل الديون ينقلب إلى حب يغير المصير
كانت شمس العصر تميل نحو المغيب ترسم على الأرض خطوطا طويلة كأنها ظلال تحاول اللحاق بما تبقى من النهار. وعلى الطريق الرملي الضيق كانت شاحنة قديمة تتهادى ببطء حتى توقفت أمام مزرعة واسعة يشي ظاهرها بسنوات طويلة من العمل الشاق. ارتجت الشاحنة قليلا قبل أن يطفئ السائق محركها وخرج منها الأب وهو يفتح الباب الخلفي ويلقي مجموعة من الحقائب البالية على الأرض بلا اكتراث.
في المقعد الأمامي جلست ليديا ذات الأربعة والعشرين عاما تضم حقيبتها الجلدية الصغيرة إلى صدرها كما لو كانت آخر ما تبقى لها من العالم. كان شعرها البني المائل للذهبي مضفورا بعناية متواضعة وفستانها الوردي الباهت يشهد بخيوطه المرقعة على سنوات من الفقر والتقشف. لم تكن جميلة بمعايير القرية ولم تكن نحيلة كما تفضل عائلتها وكانت كلمات والدها القاسية ذلك الصباح ما تزال تنغرس في أعماق روحها كالسكاكين.
قال لها بصوت جاف وكأنه لا يتحدث إلى ابنة من لحمه ودمه بل إلى شيء يود التخلص منه
هذا الزواج هو ما سينقذنا من الديون لا خيار أمامك.
وحين اعترضت بصوت مرتجف سبقتها والدتها بنبرة أكثر مرارة
إليا ريموند رجل بسيط لكنه وافق على دفع كل ما علينا مقابل الارتباط

بك وهذا أكثر مما سيقدمه أي أحد.
لم يروها يوما كابنة. لم يروا ألمها. فقط رأوا جسدا زائدا لا يعجبهم وعروسا مناسبة لصفقة لا بد أن تستكمل.
وحين توقفت الشاحنة لم يلتفت والدها إليها إلا ليقول ببرود مروع
سأترك حقائبك هنا إليا سيصل بعد قليل. تذكري أنك مسؤوليته الآن. 
ثم صعد إلى الشاحنة وانطلق تاركا خلفه غبارا كثيفا وفتاة وحيدة تقف في ساحة غريبة كأن الهواء نفسه يرفض استقبالها.
وبينما كانت ليديا تحاول التقاط أنفاسها ظهر رجلان من خلف المنزل الخشبي. تقدم الأول طويل القامة ذو كتفين عريضين وملامح هادئة لا يشي فيها القسوة التي اعتادتها. كان إليا ريموند في مطلع الثلاثينيات يرتدي قميصا بسيطا وبنطالا متسخا بتراب العمل يحمل قبعته بين يديه باحترام. وخلفه سار رجل أكبر سنا بلحية فضية وابتسامة تكاد تشعر المرء بالأمان.
قال إليا بصوت منخفض يشي بثقة لا استعراض فيها
آنسة ليديا أنا إليا ريموند وهذا والدي السيد أندريه. يسعدنا قدومك إلى منزلنا.
كانت نبرته مختلفة عن كل ما عرفته. لا استهزاء لا شفقة لا أحكام مسبقة. فقط دفء إنساني لم تعرفه منذ زمن طويل. أضاف بلطف
أعلم أن الظروف لم تكن في صالحك. ولا أريدك أن تشعري بأنك مجبورة على شيء. كل ما أريده هو أن
تجدي هنا احتراما وراحة وبيتا إن رغبت.
قبل أن تتمكن ليديا من الرد كان والدها قد رحل. بقيت واقفة وحدها تشعر أن صوت الشاحنة الراحل يسلب آخر ما تبقى من يقينها.
أشار إليا إلى باب المنزل قائلا
تفضلي تبدين مرهقة من السفر.
توقعت أن ترى منزلا قاسيا مثل حياتها السابقة لكنها وجدت شيئا مختلفا تماما. أمامها امتدت الحقول على مدى البصر ماشية ترعى تحت ضوء الشمس الضعيف والرياح تمر عبر الأشجار كأنها تهمس بحكايات لا نهاية لها. أما المنزل فعلى بساطته كان مرتبا ودافئا بصورة غير مألوفة لها.
دخلت المطبخ فوجدته واسعا بموقد خشبي كبير وطاولة متينة من خشب البلوط. كان المكان يشبه صورة من حياة هادئة لم تعرفها يوما. قال إليا وهو يمسح يديه بمنشفة قطنية
غرفتك في الطابق العلوي أول باب على اليمين. لك خصوصيتك والأبواب كلها لها أقفال. لن يزعجك أحد.
رفعت ليديا عينيها نحوه بدهشة صامتة. لا أحد في بيت والديها منحها يوما غرفة خاصة أو حتى بابا يغلق.
تقدم والد إليا ووضع يده على كتفها بلطف أبوي افتقدته طويلا قائلا
يا ابنتي إليا رجل صالح ولن يسمح للظلم أن يقترب منك. نرجو أن تري هذا المكان بيتا لك إن أردت.
في ذلك المساء جلست ليديا إلى مائدة لم تتخيل أن تجلس إليها يوما.
طعام طازج لحم مطهو بعناية وخضروات من حقولهم الخاصة. لكن ما كان يربكها حقا ليس الطعام بل نظراتهما. كان الرجلان يصغيان إليها حين تتحدث يسألانها عن هواياتها ويسمعان آرائها باحترام حقيقي.
وحين ذكرت بخجل أنها تحب القراءة أشرق وجه إليا كأنما سمع خبرا سارا.
لدينا رف كبير للكتب في غرفة الجلوس خذي ما تحبين. وأخبريني أيها أعجبك أحب سماع انطباعاتك.
كانت تلك أبسط جملة لكنها اخترقت قلبها مثل ضوء نقي.
ومضت الأسابيع وبدأت ليديا تكتشف أن حياة المزرعة لم تكن كما تخيلتها. كان إليا يستيقظ مع الفجر للعناية بالماشية والأرض لكنه لم ينس يوما أن يسألها إن كانت تحتاج شيئا. لم يطلب منها عملا لم يفرض عليها توقعات بل منحها مساحة لم تعرفها في حياتها مساحة لتتنفس.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت حين اكتشفت أن إليا لم يكن مجرد مزارع بسيط كما ظنت. كانت المزرعة مشروعا زراعيا ضخما يملك من خلاله آلاف الأفدنة وعقودا تجارية مع عدة ولايات ومكانة محترمة في المجتمع الزراعي.
وفي إحدى أمسيات الخريف حين جلسا على الشرفة يتابعان اللون الذهبي يبتلع آخر ضوء للنهار نظرت إليه وسألته بهدوء يشبه خجل طفل
لماذا لم تخبر عائلتي بحقيقة ثروتك
ابتسم إليا ابتسامة قصيرة وقال بصوت يعرف طريقه
إلى القلب
لأن والدك كان يريد
تم نسخ الرابط