زواج مقابل الديون ينقلب إلى حب يغير المصير
رجلا يدفع ديونه لا رجلا يقدر ابنته. ولو علم بثروتي لما كان اهتمامه بك صادقا من الأساس. أما أنا
توقف قليلا ثم أكمل
كنت أبحث عن رفقة صادقة. لدي أرض واسعة لكن ليس لدي من أشارك معها الحياة.
كان الخريف يمضي ببطء وتزداد معه الثقة التي تنبت في قلب ليديا كما تنبت الزهور البرية بعد مطر مفاجئ. صارت تستيقظ كل صباح فتجد نفسها جزءا من هذا المكان تتابع حركة العمال تساعد في تدوين الحسابات تكتب رسائل إليا التجارية وتتعلم شيئا فشيئا أسرار الأرض والماشية بل وتبدي رأيا في بعض القرارات فيستمع إليها الرجلان بجدية لا تعرف المجاملة.
ولأول مرة في حياتها شعرت ليديا أن عقلها له قيمة وأن رأيها يستطيع أن يغير شيئا في هذا العالم الواسع.
كان والد إليا السيد أندريه يعاملها كما لو كانت ابنته الحقيقية يسألها كل مساء
هل تناولت ما يكفي اليوم هل أنت بخير هل تحتاجين شيئا
كانت تلك الأسئلة البسيطة تشبه البلسم فهي لم تسمعها يوما في بيت أهلها.
ومع حلول الشتاء تغيرت ليديا من الداخل. لم تعد تراها المرآة فتاة مرتجفة بل امرأة بثبات يشبه ثبات الحقول أمام الرياح. بقي جسدها ممتلئا كما هو لكنها صارت أجمل لأن عينيها صارتا مليئتين بالحياة ولم تعد تمشي منحنية الظهر كما كانت تفعل هربا من نظرات
وفي إحدى الليالي الثلجية حين كانت الحرارة تنخفض حتى تكاد تتجمد الأنفاس جلس إليا قرب الموقد يقرأ كتابا. كانت ليديا تجلس في الجهة المقابلة ترتب بعض الأوراق لكن هدوء المكان وانعكاس الضوء البرتقالي على وجهه جعلا قلبها يخفق بطريقة لم تعرفها من قبل.
أغلق إليا الكتاب ببطء ثم رفع عينيه نحوها بنظرة عميقة لم تستطع الهروب منها.
قال بصوت خافت لكنه صريح وصادق
ليديا هناك أمر يجب أن أخبرك به.
وضعت الأوراق جانبا وشعرت كأن الوقت توقف.
تنفس إليا بعمق ثم تابع
حين جاء الاتفاق بيني وبين عائلتك ظننت أنه مجرد زواج مصلحة. وكنت أظن أن قلبي لن يتورط لأنني رأيت الزواج في البداية كحل عملي لا أكثر.
خاف قلبها من الجواب لكنه أراد سماعه.
أكمل بصوت يهتز بصدق واضح
لكن الأيام معك غيرت كل شيء. أحببتك يا ليديا. أحببت حضورك الهادئ وقلبك الطيب وذكاءك وحتى صمتك حين تخافين من الكلام. لم أحبك كواجب ولا كاتفاق بل كامرأة أتمنى أن تشاركني حياتي بحق.
كانت الدموع تتساقط على وجنتيها دون إذن منها كأن قلبها تسرب من عينيها.
رفع إليا يده سريعا ليس ليمسح دموعها بل ليقول بصوت يزداد رقة
لكن لا أطلب منك جوابا الآن أردت فقط أن تعرفي. وإن اخترت يوما أن يكون هذا الزواج زواجا حقيقيا فسيكون
شعرت ليديا بأن روحها تتحرر من قيود طويلة. نظرت إلى الرجل الذي رأى قيمتها قبل أن تراها هي الرجل الذي لم يطلب منها تغيرا ولم يعاملها كعبء بل كإنسانة تستحق الاحترام.
اقتربت منه بخطوات خجلى ومع كل خطوة كانت سنوات من القسوة تتهاوى خلفها.
قالت بصوت مرتجف يكاد يكون همسا
وأنا أحببتك أيضا يا إليا. أحببت صدقك وحنانك أحببت هذا البيت الذي لم يبن على الصفقة بل على كرامتي. لأول مرة شعرت أن وجودي ليس ثقلا على أحد.
لم يلمسها . فقط ابتسم تلك الابتسامة التي عرفتها منذ اليوم الأول ابتسامة تقول أكثر من كلمات كثيرة.
ومع قدوم الربيع أقاما زفافهما الحقيقي. لم يكن زفافا كبيرا ولا فخما لكنه كان مليئا بالدفء. اجتمع الجيران والأصدقاء وامتلأت المزرعة بالضحكات ورائحة الورود البرية التي جمعتها ليديا بنفسها عند الفجر. ووقفت إلى جوار إليا تحت شمس هادئة تشعر بأن العالم يمنحها بداية جديدة.
ولم يكتب أحد عقدا كما كان في المرة الأولى فلم تكن هناك ديون تسدد ولا صفقة تبرم. كان هناك وعد وعد بين قلبين اختارا بعضهما.
ومرت السنوات وصارت المزرعة أكثر ازدهارا وصارت ليديا قوة لا يستغنى عنها في الإدارة. تعلمت ونضجت ووقفت على الشرفة ذات صباح تراقب أطفالها الثلاثة
اقترب إليا من خلفها ووضع يده على كتفها كما يفعل دوما وقال مبتسما
هل تذكرين يومك الأول هنا كنت ترتجفين من البرد والخوف.
ضحكت ليديا ضحكة هادئة وقالت
كنت أظن أنه اليوم الذي ستنتهي فيه حياتي لكنه كان بدايتها الحقيقية.
نظر إليها إليا وكأنه لا يزال يراها أجمل امرأة في العالم. لم تتغير في عينيه بل ازدادت جمالا في كل مرة تبتسم فيها.
وفي يوم ما بعد أن علمت عائلتها بحقيقة ثروته وبأن المزرعة ليست مجرد أرض بسيطة حاولوا العودة إليها يحملون أعذارا وابتسامات مصطنعة.
لكن ليديا استقبلتهم بابتسامة هادئة وقالت بكلمات قليلة لكنها قاطعة كحد السيف
الذين باعوني قديما لن يشتروا مكانا في حياتي الآن.
كانت تعلم جيدا أن الكرامة أعظم من أي دم يتنصل من الرحمة.
وعندما حل المساء جلست ليديا في الشرفة تتأمل السهول الخضراء وهي تمتد إلى ما لا نهاية تشعر بأن قلبها ممتلئ كما لم يمتلئ يوما. التفتت نحو إليا نحو الرجل الذي بدأ علاقتها به كصفقة وانتهت بأن يكون حب حياتها.
همست كأنها تحدث الريح
وجدت أخيرا بيتي الحقيقي ليس في اتساع الأرض بل في قلبك.
وكان ذلك أجمل
ما يمكن أن تصل إليه امرأة ظنت يوما أنها بلا