حافية القدمين إلى المجد قصة خريجة هزّت القاعة والعقول
حافية القدمين إلى المجد قصة خريجة هزت القاعة والعقول
ما زلت أذكر تلك الليلة التي سبقت يوم التخرج كانت الرياح تعوي بين الأشجار والضباب يهبط على سفح الجبل كستارة رمادية تخنق الضوء في الداخل جلست أمي قرب المصباح الوحيد الذي بقي يعمل من دون أن ينطفئ بفعل انقطاع الكهرباء الدائم كانت يدها تتحرك ببطء فوق قطعة القماش البيضاء التي صارت فستاني الوحيد اللائق للمناسبة كانت تمسحه تكويه وتعيد طيه بعناية كأنها تطوي قلبها نفسه ثم وضعته في كيس بلاستيكي شفاف لئلا يلوثه تراب الطريق الطويل الذي يفصل بيتنا الجبلي عن المدينة
عند الرابعة فجرا حين تكون السماء في أشد عتمتها خرجت من البيت كان الهواء باردا حد القسوة يلسع وجهي كصفعة توقظني من حلم طويل وعلى الدرب الترابي الممتد نزولا كانت قدماي العاريتان تلامسان الأرض التي حفظت تضاريسها كما لو أنها قصيدة لا تتغير هنا حجر حاد أعرفه وهناك حفرة تصنعها الأمطار كل شتاء وفي المنتصف أرض ملساء لطالما وقفت عليها لألتقط أنفاسي بعد مشوار الأمس
وقفت أمي على عتبة الباب ووجهها نصف غارق في الظل ونصفه الآخر مضاء بوميض المصباح لم تكن تبكي لكن عينيها كانتا تلمعان بحرارة لا تشبه الدموع بل تشبه الدعاء
قالت بصوت هادئ
هل أنت متأكدة يا ابنتي الطريق طويل وأنت حافية القدمين
ابتسمت كي أخفف عنها رغم أن قلبي كان يرتجف كطير صغير
متأكدة يا أمي لقد سرت أبعد من هذا آلاف المرات للوصول إلى الجامعة اليوم لن يكون مختلفا
لكني كنت أعلم أنه مختلف
اليوم كان اليوم الذي أحلم به منذ ست سنوات
اليوم سأكون أول خريجة جامعية في عائلتي
كان يمكن أن يكون الطريق أسهل لو لم ينكسر حذائي قبل أسبوعين لقد انفصلت نعلاه كفمين جائعين يبتلعان الطريق ولم تفلح كل محاولاتي في ترقيعه خطر لي أن أستعير حذاء أختي لكن أختي كانت تحتاجه لعملها فكرت أن أتنازل وأغيب عن حفلي لكن كيف أغيب بعد أن قضيت سنوات أدرس تحت ضوء شمعة حين تنقطع الكهرباء وبعد أن قطعت الطريق الجبلي ذهابا وإيابا ثلاثة أيام في الأسبوع وبعد كل ما ضحت به أمي التي عملت بيديها حتى تآكل جلدهما
تابعت السير بينما كانت السماء تعلن ميلاد الصباح بدأ الضوء يتسلل كخيط فضي عبر قمم الأشجار ومعه بدأت أشعر بحرارة الصخور الصغيرة تتجمع تحت قدمي كانت كل حصاة تقول لي هذا هو الثمن ثمن الطريق الذي اخترته فلا تتراجعي
في منتصف الطريق صادفت دون أوسيبيو الرجل العجوز الذي يذهب كل صباح إلى البلدة
إلى أين أنت ذاهبة باكرا يا فتاة
أجبته بابتسامة خفيفة رغم التعب الذي بدأ يثقل كتفي
إلى حفل تخرجي يا دون أوسيبيو
حدق طويلا في قدمي المغبرتين ثم قال بصوت يحمل مزيجا من الامتنان والتعاطف
اصعدي سأوصلك جزءا من الطريق
هززت رأسي برفق
لا شكرا أريد أن أصل بقدمي أنا
ابتسم ابتسامة صغيرة كأنه أدرك ما أعنيه من دون أن أشرح ثم تابع طريقه وترك خلفه غيمة من الغبار تلمع فيها أشعة الشمس الأولى
حين وصلت إلى بوابة الجامعة كان آخر الخريجين يدخلون القاعة أسرعت إلى الحمامات الصغيرة قرب الساحة وغسلت قدمي بأطراف العشب المبتل ارتديت الفستان الأبيض ورفعت شعري بمشط صنعته من أصابعي ثم نظرت إلى المرآة الملطخة ببقع الماء
ما رأيته لم يكن الفتاة الفقيرة التي خرجت من الجبل قبل ساعات
كان وجها جديدا امرأة نضجت من بين الصخور
امرأة تحمل حلما لا فستانا فقط
امرأة تضع قدمها الأولى في عالم لم يفتح لها بسهولة
دخلت القاعة على الفور بدأت الهمسات تنتشر بين الصفوف بعضهم نظر إلى قدمي الحافيتين وبعضهم أخفى دهشته في ابتسامة مترددة احمر
مرت كلمات الحفل الرنانة عن المستقبل والفرص والنجاح لكنها كانت تختلف في وقعها حين يسمعها من يقف على أرض القاعة بقدمين عاريتين تعرفان معنى السعي الحقيقي
وحين نادوا اسمي
اهتز قلبي كما لو أن يدا غير مرئية تربت عليه برفق
سرت إلى المنصة كانت كل خطوة تصدر صدى داخليا لا يسمعه غيري مد مدير الجامعة يده نحوي يناولني شهادتي وقال بابتسامة رسمية
مبارك يا آنسة راميريز
شكرته ثم استدرت لأعود إلى مكاني لكن صوته أوقفني
لحظة من فضلك
تجمدت في مكاني
التفت إليه فرأيته يخطو إلى مقدمة المنصة يخلع نظارته الذهبية ويمسحها برفق ثم ينظر إلى الحضور نظرة عميقة جعلت القاعة كلها تصمت
قال بصوت مفعم بشيء لم أسمعه منه من قبل
أيها السادة أمامنا اليوم ليست مجرد خريجة أمامنا قصة تمشي على قدميها حافية من كل مظاهر الراحة لكن مكللة بالشرف والكد والإصرار
ويا لدهشتي بدأ الجمهور يلتفت نحوي كأنهم يرونني للمرة الأولى
ساد الهدوء القاعة كأن الهواء نفسه توقف ليراقب ما سيقوله المدير كان الطلاب والأساتذة يحدقون نحوي وبعضهم يكاد يفغر