حافية القدمين إلى المجد قصة خريجة هزّت القاعة والعقول
على المنصة أحاول أن أثبت نفسي فوق الأرض الباردة وكأن جسدي كله صار خفيفا لا يعرف أين يضع ثقله
أضاف المدير بصوت ازدادت خشونته بفعل التأثر
لقد أخبرني الأساتذة أنك سرت ثمانية عشر كيلومترا لتكوني هنا اليوم وأنك فعلت ذلك سنوات طويلة ثلاث مرات أسبوعيا قبل أن تصل قدماك الحافيتان إلى فصولنا
ثم التفت إلي مباشرة وسأل
هل هذا صحيح يا آنسة راميريز
شعرت بحرارة تسري في وجهي لكنني تمسكت بثباتي وقلت بنبرة حاولت أن أجعلها هادئة قدر الإمكان
نعم سيدي لكنني لم أفعل ذلك اليوم فقط لقد مشيت هذه المسافة طوال سنوات دراستي واليوم لم يكن سوى امتداد لطريق بدأته بإيمان لا ينكسر
عم صمت أعمق من ذي قبل حتى حركة الأوراق التي كانت تقلب بخفة قبل لحظات اختفت وبدا الأمر كأن الجامعة كلها تحبس أنفاسها
وفجأة وبين دهشة الجميع انحنى المدير أمام الحضور ثم شرع ببطء في خلع حذائه الجلدي الأسود اللامع كان مشهدا غير مألوف في حفل رسمي بل بدا أقرب إلى لحظة رمزية تهز القلب قبل العقل حمل الحذاء بيديه وتقدم نحوي خطوة تلو الأخرى ثم قال بصوت متكسر
هذه الأحذية مشت على السجاد الفاخر في مكاتب مكيفة وفي اجتماعات لا تنتهي لكنها لم تعرف الطريق الذي عرفته قدماك لم تشعر يوما بخشونة التراب ولا صلابة الحصى ولا لسعة البرد في الفجر أرجوك تقبليها
شعرت كأن الأرض تميد بي لم أتمالك نفسي من البكاء لكن دموعي لم تكن دموع حزن كانت دموع انتصار واعتراف لطالما انتظرته دون أن أقول إني بحاجة إليه
من بين المقاعد الخلفية رأيت أمي كانت ترتدي فستانها القديم المطبع بزهور باهتة وقد وضعت يدها على فمها محاولة أن تمنع نفسها من الانهيار رأيتها تهتز كأن كل ما قاومته من تعب السنين خرج دفعة واحدة مع دموعها
تقدمت نحو المدير بخطوات مرتجفة ومددت يدي لأتناول الحذاء
حاولت الكلام لكن الكلمات خذلتني وتفرقت في صدري كما تتفرق الطيور حين تلمسها ريح مفاجئة أخيرا قلت بصوت خافت
شكرا سيدي المدير لكن إن سمحت لي لن أرتديه الآن
ارتفع همس خافت في القاعة بينما تساءل كثيرون عن سبب رفضي الظاهري لهذه اللفتة النادرة تابعته بنبرة ثابتة
أريد أن أنهي هذا اليوم بالقدمين اللتين بدأتا رحلتي حين أصل إلى بيتي كما جئت سأعرف أنني لم أغير مبدأي عند أول لحظة تكريم سأرتديه غدا عندما أدخل أول فصل كمعلمة لأفتح الطريق لمن سيأتي بعدي كما فتحته لنفسي بخطوات بطيئة لكنها ثابتة
لحظتها لم يعد التصفيق صوتا يسمع بل موجة تهز الهواء وترفع القلب إلى أعلى وقف الطلاب جميعا يصيح بعضهم ويبكي آخرون ورأيت أستاذة الأدب تمسح دموعها علانية غير قادرة على إخفائها
اقترب
يا آنسة راميريز التعليم بحاجة إلى أمثالك لقد أعطيتنا درسا لن ينسى درسا لا يكتب في الكتب بل يسجل بالخطوات
ثم التفت للجمهور وقال بصوت جهوري
لن يكون هذا يوم تخرج عادي بل يوما تتذكره الجامعة كلها يوم وصلت فيه فتاة من الجبل حافية القدمين لتخبرنا أن المسافة لا تقاس بالكيلومترات بل بالإصرار الذي يحمله الإنسان
عاد التصفيق أقوى من قبل حتى شعرت وكأن الجدران نفسها تهتز
بعد انتهاء الحفل تدفق الطلاب نحوي كما لو أنني أصبحت فجأة مركز الضوء الذي يبحث عنه الجميع طلبوا التقاط الصور وبعضهم سألني عن تفاصيل الطريق وفتاة صغيرة قالت لي بصوت مرتجف
كنت أفكر في ترك الدراسة لكن قصتك أعادت لي الأمل
وضعت يدي على كتفها وقلت لها برقة
لا تتركي الطريق مهما كان طويلا فالأحلام لا تختبرنا حين نبدأ بل حين نستمر
خرجت من القاعة بينما كانت الشمس تميل نحو المغيب تلقي بظلال طويلة على الأرض وضعت شهادتي بعناية في حقيبتي وحملت الحذاء في يدي ثم بدأت في السير في الطريق الطويل الطريق الذي عرف كل تعثراتي وانتصاراتي
كانت الأرض قد بدأت تبرد لكن ملمسها تحت قدمي كان مختلفا هذه المرة لم تعد الحصى تؤلمني كما كانت تفعل في الصباح صارت تشبه ميداليات صغيرة وزعت على الطريق احتفالا
عند الجدول الصغير جلست على صخرة وغسلت قدمي بالماء البارد لم يكن شعور الطراوة فقط ما غمرني بل شعور أعمق شعور بأن الطريق اعترف بي كما اعترفت به
فتحت حقيبتي وأخرجت الشهادة مررت أصابعي فوق اسمي المكتوب بخط رسمي ثم كتبت بجانبه خطا صغيرا يحمل اسم أمي همست
هذه شهادتنا لا شهادتي وحدي
ثم وضعت الحذاء إلى جانبي ونظرت إليه طويلا
لم يكن مجرد حذاء
صار رمزا
صار اعترافا من العالم بأن الخطوات العارية يمكن أن تترك أثرا لا تتركه آلاف الأقدام المكسية
عدت إلى البيت عند الغروب كانت السماء تتلون بالأحمر كأنها تشاركنا احتفال النهاية وجدت أمي بانتظاري عند الباب تحمل فنجان قهوتها القديمة حين رأت ما في يدي الشهادة في يد والحذاء في الأخرى ابتسمت بعينين تلمعان بفخر يشبه ضوءا يتوهج من الداخل
قالت بصوت يختلط فيه الضحك
بالبكاء
ألم أقل لك يا ابنتي إن التعب لا يضيع
أسرعت نحوها واحتضنتها بقوة حتى شعرت أن قلبي يستند إلى قلبها مثل طفل عاد إلى حضن أمه بعد رحلة طويلة
في تلك الليلة وضعت الحذاء عند باب غرفتي
لم يكن للزينة بل ليذكرني دائما أن المجد لا يصنعه ما نرتديه بل ما نتحمله وما نستمر في السير لأجله
أغمضت عيني وأنا أردد لنفسي
ليس المهم أن تبدأ حافيا المهم أن تكمل الطريق