لم يرَ التوأمان أبناء المليونير النورَ يومًا

لمحة نيوز

كلما سمع صوتا مرتفعا كأنه يرى صورة يرسمها الصوت في مخيلته.
أما هنري فكان يمد يده في الهواء كأنه يتحسس شكل اللحن ليحفظه بين أصابعه.
ولم يدر ريتشارد في البداية أن هذه اللحظات الصغيرة كانت تغير أولاده من الداخل تفتح لهم أبوابا لم يعرف أحد أنها موجودة.
ضحكوا ثم تحدثوا ثم بدأت الأسئلة تتدفق كينابيع جديدة
كيف يبدو البحر
هل المطر له لون
ولماذا يضحك الناس حين يكونون سعداء
كان ذلك فضول طفلين يخرجان من ظلمة العالم إلى نوره من جديد.
وفي كل ليلة كان ريتشارد يقف عند باب غرفة اللعب دون أن يدخل.
لم يكن يريد أن يفسد تلك اللحظات كان يكتفي بالاستماع لضحكاتهما لصوت آمارا ولنبض الحياة يعود إلى بيته. وكان يشعر بمزيج مؤلم من الامتنان والذنب الامتنان لامرأة غريبة أعادت لأطفاله ما لم يستطع المال ولا الأطباء تقديمه والذنب لأنه ظل لسنوات يقف على الهامش فيما صمت الموت يلتف حول طفليه كغيمة سوداء.
وفي إحدى
الليالي الهادئة دخلت آمارا إلى مكتبه بخطوات مترددة. كان يجلس في الظلام يحدق إلى صورة زوجته الراحلة. قالت بلطف يلين القلوب
أنت والدهما يا سيدي لا تنظر إلي وكأنني أخذت مكانك.
ثم أضافت بابتسامة حزينة
أنا فقط ذكرتهما بك. هما يضحكان لأنك أنت من منحتهما الحياة.
تصدع شيء عميق في داخله. واعترف بصوت خافت
كنت خائفا خائفا أن أحاول من جديد وأفشل فأخسرهما تماما.
في اليوم التالي نزل ريتشارد إلى غرفة اللعب. تردد قليلا ثم جلس بجوارهما على السجادة. بدأ يصفق بعشوائية مضحكة ويقلد أصوات الحيوانات بجدية مبالغ فيها. فانفجر أوليفر ضاحكا حتى وقع على ظهره ولحقه هنري فامتلأت الغرفة بضحكات تطغى على سنوات الألم.
وقفت آمارا غير بعيد وقلبها يشتعل بدفء غريب كانت ترى عائلة تشفى أمام عينيها للمرة الأولى.
لكن كما في كل الحكايات لا تأتي السعادة دون امتحان.
عاد ريتشارد ذات مساء فوجد القصر هادئا على غير العادة.
نادى آمارا مرة ثم ثانية ولا جواب.
تسارعت أنفاسه كأن سنوات الصمت كلها عادت لتنهش روحه.
لم يكن رعبه لأنها خادمة غابت بل لأن طفليه للمرة الأولى منذ سنوات أصبحا يحتاجان إليها ليبقيا على قيد الحياة نفسيا.
بحث في كل زاوية اتصل بكل من يعرف لكن دون جدوى. اختفت آمارا.
ومع حلول الليل قاد سيارته إلى الحي القديم الذي قيل له إنها قد تكون فيه.
طاف الأزقة طرق الأبواب سأل أصحاب المتاجر الصغيرة حتى ساقه خيط هش إلى الحقيقة.
آمارا لم تهرب.
لم تتركهم.
لم تتخل عنهم.
كانت قد عادت إلى منزلها الريفي المتواضع لتعتني بشقيقها المريض ذلك الفتى الذي حملته على كتفيها لسنوات بينما العالم كله أغلق أبوابه في وجهه.
وقف ريتشارد أمام بيتها البسيط والمطر ينهمر على كتفيه وهو يدرك الحقيقة التي عجز عن رؤيتها طويلا
آمارا لم تكن يوما مجرد خادمة تنظف الغرف.
لم تكن يدا تستبدل ولا وجها عابرا في ممرات القصر.
كانت امرأة تخفي
وراء هدوئها جبالا من الألم ألما لم تلمحه العيون لكنه كان حاضرا في طريقة وقوفها في نظرة تعبها في صمتها الذي يشبه صمت المقاتلين الذين يستنزفهم العالم لكنهم ينهضون كل صباح وكأنهم لم يهزموا قط.
كانت تحارب
تحارب فقرا لا يخجل من طرق بابها كل يوم
ومرض شقيق يستنزف آخر ما تملك
ونظرات مجتمع يرى اللون قبل القلب والوظيفة قبل الإنسان.
ورغم كل ذلك اختارت أن تمنح طفلي ريتشارد ضوءا لم يرهما أحد من قبل ضوءا لا يصنعه طبيب ولا يمنحه جهاز ولا يشترى بمال.
ضوءا يأتي من قلب واسع رغم الجراح من يد تعرف كيف تنتشل الحياة من الرماد.
كانت آمارا 
تعلم التوأمين معنى الشعور
وتعلم ريتشارد معنى الأبوة
وتعلم القصر كله معنى الإنسانية.
وفي نظر ريتشارد الرجل الذي امتلك من الثروة ما لا يحصى كانت آمارا شيئا لا يشتريه المال
كانت المعجزة التي طال انتظارها.
المعجزة التي جاءت من حيث لا يتوقع أحد.
المعجزة التي أعادت
الطفلين إلى الحياة
وغيرت مصيرهم إلى الأبد.

تم نسخ الرابط