حين ساعدا الرجل العجوز… لم يعلما أن حياتهما ستتبدّل للأبد

لمحة نيوز

حين ساعدا الرجل العجوز لم يعلما أن حياتهما ستتبدل للأبد
لم يكن صباح ذلك اليوم يحمل أي نذير لما سيقع لاحقا ولا كان المطر المنساب على طرقات بروكدايل الهادئة يوحي بأن حدثا صغيرا عابرا كأنفاس الريح سيقلب مصير صبيين فقيرين رأسا على عقب. كانت البلدة تبدو وكأنها تنكمش تحت ستائر المطر تلوذ كل نافذة بظلها ويتراجع كل بيت إلى عمق صمته كمن يحتمي بصلابة وحدته. فالأمطار في بروكدايل ليست مجرد طقس بل مزاج عام يفرض على الأرواح الاستسلام للتأمل أو للخوف أو للكتمان.
لكن إيثان ومايسون وهما في السادسة عشرة من عمرهما لم يكونا من أبناء البيوت التي تخشى البلل. فملابسهما البالية وحداؤهما المهترئان لم يتركا لهما رفاهية الاختباء من السماء. كانا يصعدان الطريق الترابي المؤدي إلى منزلهما الصغير على أطراف البلدة متعبين بعد يوم طويل قضياه في مركز التبرعات المجتمعي بجيوب فارغة وقلوب مليئة بتعاليم جدتهما الراحلة التي كانت تؤكد دائما أن المحبة لا تقاس بما تملك بل بما تمنح.
قال إيثان وهو يشد حزام حقيبته القديمة التي خاطها بيديه ذات ليلة من ليال باردة
أتظن أن أمي عادت باكرا
رد مايسون وهو يهز رأسه
لا أظن ذلك. عملها في المقهى لا ينتهي قبل منتصف الليل. وأبي أيضا أخذ وردية إضافية في الورشة.
لم يكن في صوتيهما أثر للتذمر كان الأمر أشبه

بتعايش هادئ مع واقع لم يختاراه. فمنذ وفاة جدتهما قبل ست سنوات تقاسما المسؤوليات كما يتقاسم الفقراء اللقمة بلا شكوى ولا انتظار لمقابل.
سارا مسافة طويلة عبر الطريق الغابي الموحل والليل ينشر ظلاله رويدا على الأشجار العالية حين اخترق سكون المطر صوت خافت ارتج له الهواء حولهما. توقفا لحظة كأن الأرض تجمدت تحت أقدامهما.
همس إيثان
هل سمعت ذلك
أومأ مايسون وعيناه تتفحصان الظلام
هناك... قرب المنحدر.
ركضا في اتجاه الصوت ينزلقان على الحصى المبلل والأوراق المتساقطة حتى بلغا خندقا ضحلا على حافة الطريق. وهناك وسط الطين وانكسار البيض وتبعثر أكياس البقالة كان رجل مسن ممددا على جانبه يتنفس بصعوبة.
انحنى إيثان وقال بلطف
سيدي هل تسمعني
فتح الرجل عينيه بصعوبة ورفع يده المرتجفة كأنها تستنجد بما بقي لها من قوة ثم همس
سقطت
قال مايسون وهو يمد له قارورة ماء من حقيبته
اشرب قليلا سيعينك ذلك.
شرب الرجل جرعات صغيرة وسعل ثم تمتم
شكرا اسمي ويليام تيرنر.
سأله إيثان
ما الذي حدث
قال الرجل بصوت خافت
دوار مفاجئ فقدت توازني.
اقترب مايسون من هاتفه ليطلب الإسعاف لكن الرجل حرك يده بمنع مرتجف وقال
لا أرجوكما لا أريد سيارة إسعاف. أستطيع المشي فقط ساعداني.
تبادل الصبيان نظرة قلقة. كانت وصايا جدتهما تتردد في عقليهما كأنها تلقى من السماء فوق
رؤوسهما
افعل الصواب لا ما هو سهل.
قال إيثان برفق
سنساعدك. اتكئ علي.
وأضاف مايسون
وعلي كذلك.
وبينما رفعاه بحذر كان جسده يترنح كغصن خفيف في رياح شتوية. قادهما عبر مسار ضيق غارق بالمطر حتى وقفوا أمام مقطورة معدنية قديمة بدت كأنها تكافح للبقاء. نوافذها مسدودة بقطع كرتون رطب وسقفها متداع والباب يكاد ينخلع.
همس مايسون
هل تعيش هنا
أجاب الرجل بإيماءة متحاشيا النظر إليهما كأنه يخجل من هشاشة المكان ومن هشاشته هو ذاته.
قال بصوت مكسور
أعتذر لأنكما رأيتما هذا
رد إيثان سريعا
ليس هناك ما تعتذر عنه يا سيدي.
دخلوا المقطورة المتواضعة وحاول الرجل أن يفتح محفظته ليدفع لهما شيئا لكن المحفظة كانت فارغة تماما. لم يجد سوى تفاحة وحيدة وضعها على الطاولة ثم تناولها بيده المرتجفة قائلا
هذه كل ما أملك. خذاها.
هز مايسون رأسه
لا يا سيدي. لسنا نفعل هذا مقابل شيء.
وضع إيثان التفاحة برفق على الطاولة
احتفظ بها أنت بحاجة إليها.
حين غادرا لمحا الدموع تتجمع في عيني الرجل دموعا دافئة رغم برد المطر. لم يكونا يعلمان أنهما في تلك اللحظة بالذات عبرا الخط الفاصل بين الحياة التي عرفاها والحياة التي ستكتب لهما لاحقا.
في صباح اليوم التالي وقفا في المكان نفسه كأن المطر غسل ترددهما.
قال إيثان هل تفكر بما أفكر فيه
أجاب مايسون نعم يجب أن نذهب
إليه.
جمعا بقايا ما يملكان بعض الدولارات التي ادخرتهما أمهما للطوارئ شيئا من مصروف طعامهما إضافة إلى مبلغ بسيط حصلا عليه من أعمال صغيرة كتنظيف الحدائق وطلاء السور القديم لجارتهما. تمكنا من شراء أرز وعلب خضار وقطع خبز وبعض الأقمشة لسد النوافذ. واستعار مايسون أدوات لتصليح السقف.
وعند المساء طرقا باب المقطورة. فتح الرجل الباب ببطء وما إن رآهما واقفين تحت المطر يحملان أكياسا ممتلئة اتسعت عيناه بدهشة لا تنسى.
سأل
ما كل هذا
قال إيثان بخجل
بعض الحاجات البسيطة.
وأضاف مايسون
لبيتك ولأجلك.
كانت الأكياس ممتلئة حتى الحافة. حاول الرجل الرفض لكن مايسون ابتسم قائلا
تقبلها رجاء وإلا ستعاقبنا أمهاتنا لأننا اشترينا أكثر مما نحتاج.
كانت كذبة بيضاء لكنها كانت الكذبة الوحيدة التي أجازها قلباهما.
أغرق الرجل في البكاء ثم قال بصوت مرتعش
لماذا تفعلان هذا
أجاب إيثان
لأن جدتنا علمتنا أن المحبة لا معنى لها إن لم تمنح.
اقترب الرجل منهما ببطء ثم قال
هل تسمحان لي بعناق
فالتأم الثلاثة في احتواء هادئ يشفي سنوات من الوحدة.
لم يكن طريق العودة من الكلية في ذلك اليوم رطبا كما كان يوم التقيا بالسيد تيرنر لكن إحساسا مشابها بالثقل كان يراود قلبيهما ثقل يشبه ما يخلفه الغياب على الأرواح التي تذوقت معنى الوجود مع شخص ما ثم اضطرت إلى مواصلة
الطريق من دونه. غير أن الغياب هذه المرة لم يكن انطفاء بل انبعاثا
تم نسخ الرابط