حين ساعدا الرجل العجوز… لم يعلما أن حياتهما ستتبدّل للأبد

لمحة نيوز

جديدا امتدادا غير مرئي ليد قديمة رفعتهما يوما حين كانا في أشد حاجتهما إلى من يرى قيمتهما.
ومع مر السنين لم تعد قصة الرجل العجوز مجرد ذكرى يتهامسان بها في الأمسيات الهادئة بل صارت بوصلة توجههما في كل خطوة يخطوانها داخل قاعات الدرس أو في أروقة المدرسة حيث الأطفال بأحلامهم الصغيرة التي تحتاج إلى يد كلمة إيمان تماما كما احتاجا هما يوم توقفا بجوار خندق موحل ومطر غزير.
كانت مدرسة بروكديل الثانوية قد تغيرت كثيرا. فبعد تأسيس منحة تيرنر بدأت الإدارة ترى أثر الصندوق الجديد في أداء الطلاب المحتاجين أولئك الذين لم يجدوا يوما من يخبرهم أن لحياتهم قيمة وأن للفقر أبوابا لا تفتح إلا بالعلم أو بالرحمة. وكان معظم المستفيدين من المنحة من أبناء الأسر التي تعمل ليلا ونهارا كما كانت أم إيثان وأب مايسون يفعلان قديما.
وفي إحدى الأمسيات الشتوية وكان البرد ينهش أطراف النهار جلس المعلمان الشابان في غرفة الأساتذة يراجعان سجلات الطلاب. قال مايسون وهو يقلب صفحة بعد أخرى
هل تتخيل يا إيثان كل هؤلاء الأطفال يستحقون فرصة ولو عاش السيد
تيرنر قليلا لكان فخورا بكل طالب يحصل على منحة باسمه.
أجاب إيثان وهو يثبت نظارته على أرنبة أنفه
كان سيقول جملته المعتادة افعل الخير حيث لا يراك أحد. لكن الحقيقة أنه ما زال يرانا بطريقة ما.
سادت لحظة صمت طويلة كأن الهواء نفسه توقف احتراما لذكراه.
وفي منتصف تلك اللحظة انفتح باب الغرفة ببطء ودخلت مديرة المدرسة السيدة لورين بارنز امرأة تحمل من الهيبة ما يجعل خطواتها محسوبة ومن اللطف ما يجعل صوتها مطمئنا. قالت وهي تنظر إليهما
هناك أمر أود مناقشته معكما أمر يخص المنحة.
تبادلا النظرات فتقدمت وجلست أمامهما.
المنحة باتت تكبر عاما بعد عام بفضلكما. وأرى أن الوقت قد حان لتوسيعها. هناك مبنى قديم خلف الساحة الشمالية للمدرسة مبنى مهجور منذ عشر سنوات. أفكر في تحويله إلى مركز دعم للطلاب الضعفاء دراسيا. مركز يحمل اسم مؤسسة تيرنر التعليمية.
اختنق صوت مايسون فجأة.
أما إيثان فتمتم بصوت متحشرج
لو يعلم لو يعلم فقط
ابتسمت المديرة
ربما يعلم. المهم الآن هل أنتما مستعدان لحمل هذه المسؤولية سيحتاج الأمر إلى جهد هائل.
قال الاثنان
في صوت واحد
نعم.
وبدأت رحلة جديدة رحلة لم يتوقعاها يوم سمعا صرخة الرجل العجوز قرب المنحدر.
قضيا أسابيع طويلة في تنظيف المبنى جمع التطوعات تنظيم الحملات مراجعة الخدمات الاجتماعية وإقناع التجار المحليين بالمساهمة. كان المشروع يكبر شيئا فشيئا تماما كما كبرت العلاقة بينهما وبين الرجل العجوز قبل سنواتعلاقة لم تبن على المال بل على العطاء الخالص.
وبعد أشهر من العمل المضني افتتح المركز أخيرا. وامتلأت القاعة بالطلاب وذويهم ووقف مايسون وإيثان أمام لوحة كبيرة كتب عليها
مؤسسة تيرنر حيث يولد الأمل من جديد.
وعندما أزيح الستار صمت الجميع لحظة ثم دوى التصفيق في المكان.
في تلك الليلة وبعد انتهاء الحفل طلب مايسون من إيثان الذهاب إلى الطريق الغابي القديم. لم يكن الليل ممطرا لكنه كان هادئا بطريقة تذكر بالقدم بالسكون الأول الذي ولدت منه الحكاية.
اقتربا من المقطورة المهترئة التي ما تزال صامتة كأنها قبر لذاكرة لا تسقط من القلوب.
وضع مايسون يده على الباب وقال
كل شيء بدأ من هنا.
أجابه إيثان
ومن هنا تعلمنا أن الثروة ليست مالا
بل إنسان يحتاجك.
جلسا على الجذع القديم أمام المقطورة المكان الذي كان الرجل يجلس عليه أيام الربيع ليروي قصصه. وبقيا صامتين طويلا كأنهما يستمعان لصوت غائب.
وفي تلك اللحظة مرت نسمة لينة حركت أوراق الأشجار فابتسم إيثان وقال كأنما يخاطب الهواء
لقد نفذنا وصيتك يا سيد تيرنر لم نكن يوما معلمين فقط بل حاملي شعلة صغيرة الشعلة التي تركتها بين أيدينا.
عادا إلى السيارة. وما إن جلسا داخلها حتى نظر مايسون إلى الخلف مرة أخيرة ثم قال
أتدري لم نساعده لأننا كنا أبطالا. نحن فقط فعلنا ما قالت لنا جدتك يوما افعل الصواب لا السهل.
ابتسم إيثان وبدأ تشغيل السيارة
ومن يفعل الصواب لا يضل الطريق أبدا.
وانطلقت السيارة بهدوء بينما تراجعت المقطورة خلفهما شيئا فشيئا لكنها لم تختف من ذاكرتيهمابل بقيت كما يبقى الضوء الأخير في نهاية النفق نورا صغيرا غير كل شيء.
وهكذا لم يكن إرث السيد تيرنر مالا فقط بل حياة كاملة امتدت عبر السنين تدفع طفلا تلو آخر نحو مستقبل أفضل وتعلم كل من يسمع قصته أن اللطف ليس عملا عابرا بل بذرة صغيرة تزرع في روح ما
فتثمر في أرواح كثيرة بعدها.
النهاية.

تم نسخ الرابط