في ليلة زفافي… اكتشفتُ أنني الصفقة

لمحة نيوز

في ليلة زفافي اكتشفت أنني الصفقة
لم يكن ذلك عنوان رواية ولا جملة افتتاحية لفيلم مظلم بل الحقيقة التي انكشفت لي بعد رحلة طويلة من الخداع المذهب بالورود. وكل شيء بدأ قبل أشهر في سهرة فنية كنت أحاول أن أبدو فيها أقوى مما أنا عليه.
كان افتتاح المعرض الفني في حي سوهو مزدحما حد الاختناق مكتظا بالوجوه المتأنقة والابتسامات المصنوعة وروائح العطور الأوروبية التي تختلط برائحة الدهانات الحديثة. أما أنا فكنت أقف في الزاوية الضيقة قرب عمود خرساني أمسك كأس نبيذ أبيض رخيص وأراقب الناس وهم يمرون أمام لوحاتي دون اكتراث. كنت فنانة تجريدية تكافح يراني النقاد واعدة بينما يصفني المشترون بأنني غامضة بلا داع. لكن ما يؤلم أكثر هو التجاهل البارد ذلك الشعور بأنك غير مرئية وسط الزحام.
ثم دخل ديفيد.
كان دخوله أشبه بتموج هواء حاد شق ضجيج الحفل. لم يكن وسيما فحسب بل امتلك تلك الجاذبية الخطيرة لرجل يعرف قيمته جيدا رجل يتحكم في خطواته وفي الانتباه الذي تلتهمه العيون نحوه. وقف أمام لوحتي الأكثر غموضا الفراغ الأزرق اللوحة التي بالغت في تسعيرها عمدا كي أحتفظ بها لنفسي.
التفت إلي ببطء وقال بصوت منخفض يشبه الهمس المدروس
إنها رائعة. تشبه شعور الاختناق

الجميل الغرق في الهواء.
كلماته أربكتني. نادرا ما يفهم أحد لوحاتي أو يدعي ذلك على الأقل.
قلت ليست معروضة للبيع.
ابتسم بجرأة واثقة أدفع ضعف السعر. اعتبريه خطوة أولى للتعرف إلى الفنانة التي ترسم بصمت يصرخ.
كانت تلك بداية الانحدار الذي ظننته صعودا. خلال الأشهر التالية بدا ديفيد الرجل المثالي ثري حازم مثقف واسع العلاقات. كان يملأ مرسمي بباقات الفاونيا المستوردة ويرسل لي دعوات عشاء في مطاعم لا أعرف كيف أنطق أسماءها ويسافر بي إلى باريس لأنني ذكرت رغبة عابرة في تذوق الكرواسون الفرنسي الحقيقي.
أصدقائي أحبوه ووالداي ارتاحا لوجود رجل مستقر في حياتي. أما أختي الكبرى سارة فكانت الوحيدة التي لم تخدع بالبريق.
جلست معي ليلة في المطبخ وقالت بصدق قاس
لا أحد بهذه المثالية. إنه يقدم نفسه كعرض كصفقة. شيء ما خلف هذا الهدوء المشذب لا يعجبني.
تضايقت منها. ظننت أنها تبالغ في حذرها. اتهمتها بالغيرة. لكن عينيها لم تتخلصا من ذلك الوجوم الحزين الذي كان يراقبني بصمت.
ثم جاء يوم الزفاف.
أقيم الحفل في الكونسرفاتوري الكبير قصر زجاجي يغمره الضوء مثل حكاية خيالية. كانت الأوركيد البيضاء تتدلى من الأسقف والضيوف يلمعون تحت الثريات. وقفت إلى جانب
ديفيد داخل فستان حريري صنع خصيصا لي أشعر بأن العالم كله يصفق لنا.
لم أشعر بالخوف. بل شعرت أنني أسلم نفسي لقدر معد بعناية.
وحين وقفت أمام الكعكة الضخمة ذات الطبقات السبع وضع ديفيد يده فوق يدي على مقبض السكين الفضي وقال بابتسامة حانية
هل أنت مستعدة يا حبيبتي
كان المشهد كاملا بلا شقوق. حتى ظننت أن القصص الخيالية قد تصبح حقيقة.
إلى أن صعدت سارة إلى المنصة.
كان وجهها شاحبا وفي عينيها ارتعاش لم أفهمه. ظن الضيوف أنها تريد مشاركتي اللحظة لكن حين احتضنتني شعرت بارتجافها العنيف. انحنت قرب قدمي كأنها تعدل ذيل الفستان لكن قبضتها على كاحلي كانت قوية كتحذير نهائي.
همست بصوت متكسر
لا تقطعي الكعكة اقلبيها. إن أردت النجاة هذه الليلة.
تجمدت.
رفعت رأسي نحو ديفيد. لم يكن ينظر إلي. كان يحدق في ساعته ثم يعيد نظراته إلى الكعكة بترقب غريب. وعندما التقت عيناي بعينيه رأيت ابتسامة لم أرها من قبل ابتسامة باردة حذرة كأنه ينتظر نتيجة عملية مخطط لها لا لحظة احتفال.
هيا يا عزيزتي قال بنبرة فقدت دفئها. اقطعي بعمق. مذاق الكريمة مميز جدا.
كانت يده تشد على أصابعي بقوة تكتم صراخي.
ثم سمعت صدى كلمات سارة يتكرر في رأسي
اقلبيه.
دون تفكير وكأن غريزتي
تولت القيادة انحنيت فجأة ودفعت العربة بقوة. تدحرجت الكعكة وسقطت على الأرض متفجرة في كل اتجاه. صرخ الضيوف وتوقفت الموسيقى وساد صمت ثقيل أشبه بحد السكين.
نظرت إلى ديفيد.
تلاشت قناعته الهادئة وحل مكانها وجه آخر غاضب متوحش.
صرخ يا عديمة العقل! ورفع يده ليصفعني.
لكن سارة سبقته. أمسكتني من معصمي وصاحت
اركضي!
ركضنا. كانت الموسيقى قد توقفت وصوت الكعكة وهي تتحطم على الرخام لا يزال يتردد في أذني كأنه إنذار أخير. أحسست بفستاني يعيق خطواتي وبنظرات الضيوف تطاردني بعضها مرتبك بعضها خائف وبعضها يسجل الحدث بكاميرات الهواتف غير مدركين أن ما يحدث ليس مشهدا دراميا بل محاولة نجاة.
كانت يد سارة تقبض على معصمي بقوة من يعرف حجم الخطر. اندفعنا عبر الردهة الرخامية باتجاه المطبخ الخلفي بينما صراخ ديفيد يشق الهواء
أمسكوهما!
لم يكن ذلك صوت عريس مكسور. لم يكن حتى صوت رجل غاضب. كان أمرا.
أمرا اعتاد رجال مدربون أن يطيعوه.
فتح الطهاة الطريق لنا بدهشة لكن سارة لم تتوقف. دفعت رف القدور ليسقط خلفنا بصوت معدني صاخب محاولة إبطاء مطاردة الرجال الذين كانوا يقتربون بخطوات منتظمة كما لو كانوا تمرنوا على هذا السيناريو.
صرخت وأنا أرفع ذيل الفستان الممزق
سارة!
أريد أن أفهم!
لكنها لم تجب. كانت
تم نسخ الرابط