بعد الولادة تغيّرت هرموناتي وصار زوجي يكرر لي أنّ رائحتي كريهة

لمحة نيوز

سابق إنذار. لم تكن علاقتي بها سيئة لكنها كانت تقيم بعيدا ولا تتدخل كثيرا في حياتنا.
رفعت رأسها فور أن رأتني وحدقت في وجهي ثم قالت
سمعت أنك تغيرت كثيرا بعد الولادة.
تجمدت.
من أين سمعت
بالطبع راغاف.
جلست قرب المهد تنظر إلى حفيدها ثم قالت
راغاف يقول إنك لا تهتمين بنفسك. وإن رائحتك
وتوقفت.
أغمضت عيني كي أتمالك نفسي.
لكنها فاجأتني بقولها
تعلمين أنا أيضا عانيت من الأمر نفسه بعد ولادة ابني الأكبر. قد يستغرق الجسد وقتا وربما أكثر مما نحب.
رفعت نظري إليها بدهشة.
لم تتحدث بنبرة اتهام. بل بنبرة امرأة تفهم.
قالت
لكن ما لا أفهمه هو قلة نضجه. لا يحق له أن يتعامل معك بهذه الطريقة.
لأول مرة منذ أشهر شعرت بأن هناك من يقف إلى جانبي داخل هذا البيت.
تحدثنا طويلا وكلما تحدثت ازداد يقيني بأن مشكلتي ليست أنا بل الرجل الذي لم يتعلم أبدا كيف يكون زوجا.
في المساء عاد راغاف إلى المنزل. وجد أمه تجلس معي. بدا الارتباك على وجهه فور أن رآنا.
سألته أمه
راغاف هل قلت لزوجتك أن رائحتها مقززة
احمر وجهه ونظر إلي بغضب مكتوم.
أمي الأمر بيني وبينها لا تتدخلي.
لكنها وقفت وقالت بحزم
لا سأتدخل. لأن ما تفعله أنت ليس زواجا بل إهانة لامرأة تحملت من أجلك ما لم تتحمله أنت في حياتك.
تجمدت في مكاني.
لم أتوقع
أن تسمعه هذه الكلمات من والدته تحديدا.
تظاهر باللامبالاة واتجه نحو غرفته وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.
وعندما أغلق الباب خلفه التفتت إلي أمه وقالت
سأبقى هنا لعدة أيام إلى أن تهدأ الأمور.
كانت تلك الليلة أول ليلة أنام فيها دون بكاء.
لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلا.
ففي اليوم التالي وبينما كنت أطعم طفلي دخل راغاف الغرفة وهو يضغط هاتفه بشدة كمن يوشك على الانفجار.
اقترب مني وقال بلهجة مشحونة
أمي أخبرتني بكل ما قلته لها. تريدين أن تظهري أمامها بمظهر المظلومة تريدين قلب أمي علي
نظرت إليه بثبات.
لأول مرة لم أشعر بالخوف.
قلت بهدوء
أنا لم أفعل شيئا سوى أنني تحدثت بصدق.
اقترب أكثر وصوته ارتفع
أنت امرأة نكدة وهذا البيت لم يعد يحتمل وجودك!
تلك اللحظة كانت لحظة الانفصال الحقيقي.
ليس انفصال الأوراق والمحاكم بل انفصال القلب.
فالكلمات حين تقال في لحظة غضب قد تنسى
إلا تلك التي تقال بنية الطعن.
وبينما هو يصرخ عاد صوت أمي في رأسي
لا تجاوبي بالكلام دعي أفعالك هي الجواب.
وحين انتهى من صراخه نظرت إليه نظرة واحدة فقط
نظرة لم تحمل خوفا ولا حزنا بل قرارا خالصا.
وعدت إلى الدرج وفتحت العلبة مرة أخرى
لكن هذه المرة كنت أعلم تماما ما الذي سأفعله بعدها.
أمسكت العلبة بيدي لكن هذه المرة لم أكن تلك
المرأة المكسورة التي تبحث عن ذكرى لتتشبث بها بل امرأة تدرك قيمتها وتفهم أن كرامتها لم تعد قابلة للتفاوض. وضعت العلبة على السرير وبدأت أرتب ملابس طفلي في الحقيبة الصغيرة. كنت أفعل كل شيء بهدوء غريب هدوء يشبه ما قبل العاصفة لكنه لم يكن عاصفة غضب بل عاصفة وعي.
دخلت والدة راغاف الغرفة وقد لاحظت حقيبة طفلي. اقتربت بقلق
تانفي إلى أين ستذهبين
نظرت إليها بثبات.
سأعود إلى منزل أمي لبعض الوقت.
سكتت ليس لأنها تعترض بل لأنها لمست شيئا مختلفا في نبرة صوتي شيئا لم تره في من قبل.
ثم قالت بهدوء
سأحدث راغاف ربما يهدأ.
فأجبتها
لا أريد منه اعتذارا الآن. أريد فقط مساحة أتنفس فيها.
ابتسمت بخفوت ووضعت يدها على كتفي
سأدعمك مهما كان قرارك.
حين خرجت من باب المنزل شعرت وكأن الهواء لأول مرة يدخل صدري بسهولة. كانت نيو دلهي مزدحمة كعادتها ضجيج السيارات أصوات الباعة ورائحة الشاي المنتشرة في الشوارع لكن كل ذلك كان أرحم بكثير من جدران بيت فقدت فيه نفسي.
في منزل أمي استقبلتني بذراعين مفتوحتين. لم تقل شيئا فقط احتضنتني طويلا كأنها تحاول تضميد الشقوق التي خلفتها كلمات راغاف. وضعت طفلي على السرير وجلسنا نتحدث. قالت أمي
البقاء في الزواج ليس بطولة البطولة هي أن تعرفي متى تحمين نفسك.
في الأيام التالية
بدأت أستعيد ذاتي شيئا فشيئا. عدت لتنظيم نومي قدر الإمكان وحرصت على المشي يوميا مع طفلي. وبفضل نصائح الطبيبة بدأت الرائحة الغريبة تخف تدريجيا ومعها بدأ يتبدد شعور الكراهية الذي علقه راغاف على جسدي.
لكن رغم ذلك كنت أعلم أن العودة ليست مجرد عودة.
فالعلاقة التي تهدم بالكلمات الجارحة لا ترمم بسهولة.
بعد أسبوعين جاءني اتصال من والدته. قالت بقلق
راغاف ليس بخير أصبح أكثر عصبية ويغيب عن المنزل كثيرا. لا يتحدث مع أحد.
لم أعلق.
ليس لأنني لا أهتم بل لأنني لم أعد أريد أن أكون الشخص الذي يرمم رجلا لا يسعى لترميم نفسه.
في إحدى الأمسيات جاء راغاف بنفسه إلى منزل أمي. فتحت الباب فرأيته بدا منهكا لكن ليست تلك الإنهاكات التي يتسبب بها العمل بل الإنهاكات التي تصنعها الوحدة ونتائج الأفعال.
قال
تانفي هل يمكن أن نتحدث
جلست مقابله وأنا أضع طفلي في حضني. كان ينظر إلي بطريقة لم أرها منذ شهورعينان تبحثان عن شيء ضاع.
قال بصوت منخفض
لقد كنت قاسيا. أعرف ذلك. أمي وباميلاحتى صديقيقالوا لي إنني تجاوزت الحدود.
لم أتكلم.
تابع
كنت أشعر بالضغط في العمل والتوتر ولم أستطع التعامل مع كل شيء. لكن هذا ليس عذرا لما قلته.
وكأنه يحاول أن يمد خيطا لا أعرف إن كنت لا أزال أقدر على الإمساك به.
سألته بهدوء
هل تدرك
أن ما قلته ليس مجرد غضب لقد جرحتني في أكثر لحظات حياتي هشاشة.
خفض رأسه قائلا
أعرف وأريد
تم نسخ الرابط