طلبوا رقم البطاقة… فلقّنتهم أغلى درس
لم أكن أتوقع أن تبدأ تلك الصباحات البسيطة التي تتكرر إلى حد الملل ببوابة الخلاص كان ذلك اليوم إجازتي الوحيدة بعد أسابيع طويلة من الإرهاق لكن زوجي لم يمنحني حتى دقيقة واحدة من الهدوء فتح الباب بعنف كعادته كأن البيت ملك له وحده ثم سحب الغطاء عني بيد باردة لا تعرف معنى الرحمة
انحنى فوقي وقال بصوت متعجل كأنه يأمر خادمة وليس زوجته
يلا قوليلي رقم بطاقة البنك ماما في المحل وعايزة تشتري موبايل
ظلت الكلمات تتردد في رأسي لحظة كاملة قبل أن أفهمها لم يكن السؤال جديدا لكنه كان هذه المرة كالصفعة هذا الصباح لم يكن يشبه غيره ربما لأن روحي وصلت إلى آخر نقطة يمكن أن تتحملها
رفعت رأسي ببطء عيناي ما زالتا نصف مغلقتين من النوم وقلت له بهدوء غريب حتى علي
تشتريه بفلوسها يا فلان مش لازم كل حاجة تبقى على حسابي
تغير وجهه فجأة كأن كلماتي هزت العرش الوهمي الذي يجلس عليه انفجر في وجهي غاضبا وهو يلوح بيديه كعادته حين يريد أن يثبت رجولته الزائفة
إنت بخيلة! ما بتحترميش أمي!
كنت أسمع صوته ولا أسمع شيئا كنت أشعر فقط بأن شيئا داخلي ينكسر بصوت لا يسمعه غير قلبي ثلاث سنوات من الصبر من محاولة إصلاح ما لا يصلح من التغاضي عن كل إهانة من اعتبار نفسي القادرة على حمل بيت كامل على كتفي بينما هو يرفض حتى البحث عن عمل
قبل الزواج كان يعمل أعمالا بسيطة شيئا هنا وشيئا هناك لكن بعد أن جمعنا سقف واحد قرر فجأة أن مسؤولية إعالته أصبحت مهمتي أنا وحدي راتبي هو دخله وجهدي هو راحته ودموعي هي ثمن حياته السهلة
والأسوأ كانت والدته
امرأة لا ترى العالم إلا من ثقب واحد أن ابنها يستحق أن تفتح له الجيوب حتى لو لم تكن جيوبه هو كانت تطالب دائما هدايا ملابس خروج دواء وحتى الكماليات التي لا معنى لها لم تسأل مرة واحدة من أين يأتي هذا المال لم تهتم بأن كل جنيه يخرج من عرق جبيني ومن ساعات عمل طويلة لا يشارك فيها أحد
أما زوجي فكان يعطيها المال الذي أكسبه دون أن يرمش له جفن كأنه يؤدي واجبه الشريف بينما أنا أعد الأيام حتى راتب الشهر الجديد ولم أتذمر
لكن الأيام علمتني أن هناك نوعا من البشر كلما أعطيتهم ازدادوا شرها وحين يشعرون أنك لن ترفعي صوتك يوما يتحولون إلى وحوش
صارت حماتي تراسلني كل يوم بطلبات جديدة
عايزة كريم أساس غالي
هاتيلي بلوزة شيك
لحقيني بقسط القرض خلصني
وزوجي يردد عبارته المحفوظة كأنها آية مقدسة
ماما لازم تعيش كويس
وأنا
كنت بالنسبة لهما مجرد محفظة تمشي
وفي يوم الإجازة ذاك حين سحب الغطاء عني انتهى كل شيء في داخلي رأيته واقفا فوق رأسي يعطي أوامر بلا خجل يطالبني بمال لم أره بعد كأنه يستحقه بالطبيعة كنت أعرف أن راتبي نزل البارحة ولم ألمس منه شيئا كنت أنتظر أن أشتري لنفسي شيئا صغيرا مجرد شيء يذكرني بأنني ما زلت إنسانة
وحين قلت له أن يشتري الموبايل بمالها وسمعت صوته يرتفع فوق رأسي أدركت الحقيقة التي تهربت منها لسنوات
لقد انتهيت
انتهى الصبر
انتهت التضحية
وانتهى الاحتمال
لكنني
بل قلت له ببساطة
رقم البطاقة واحد اثنين
وأعطيته الرقم الكامل
ذهب سعيدا كالطفل الذي حصل على لعبة جديدة حتى لم يقل شكرا
لكنني كنت قد أعددت خطة هادئة مؤلمة وصحيحة تماما
أغمضت عيني وسرعان ما جاء الإشعار من البنك
خصم مبلغ ضخم معظم راتبي
نهضت مشيت بنعومة كأنني أسير نحو باب جديد في حياتي حملت هاتفي واتصلت بالشرطة بصوت هادئ ثابت
ألو البطاقة بتاعتي اتسرقت والفلوس اتسحبت من غير إذني
أيوه أعرف مين عمل كده
وأيوه مستعدة أقدم بلاغ
بعد ساعات قليلة كان رجال الشرطة يطرقون باب حماتي وجدوا الهاتف الجديد في يدها ما زال في علبته حاولت أن تبرر تتهمني تبكي
ابني اداني الإذن هي وافقت!
لكن القانون لا يعرف الأمومة القانون يعرف الأدلة فقط
والبطاقة باسمي
والشراء تم دون موافقتي
والبلاغ مسجل بصوتي
في تلك اللحظة شعرت بشيء يشبه استعادة نفسي الأولى المرأة التي نسيتها تحت ركام ثلاث سنوات من الاستنزاف
حين