طلبوا رقم البطاقة… فلقّنتهم أغلى درس
غاضبا إلى حد الجنون كأن العالم ارتكب جريمة في حقه فتح الباب بقوة وبدأ يصرخ قبل أن يراني حتى
إنت اتجننتي! إنت ضيعتي أمي! دي قاعدة في القسم بسببك!
لم أتحرك لم أرتجف لم أشعر بالذنب الذي اعتدت عليه منذ سنوات نظرت إليه ببرود لم يتوقعه ثم وقفت أمامه وقلت بصوت منخفض لكنه أقوى من كل صراخه
قعدت معايا ٣ سنين عايش علي كفاية
روح اصرف على أمك لو لسه قادر
وضعت حقيبته عند الباب وأغلقته في وجهه
كانت المرة الأولى التي يغلق فيها باب بيدي وليس بيده
المرة الأولى التي أمتلك فيها القرار
ظل يطرق الباب بعنف يصرخ يشتم يهدد وكلما ارتفع صوته شعرت بشيء داخلي يثبت أكثر فأكثر كأنني أزرع جذوري في أرض جديدة وحين تعب من الصراخ جلس خلف الباب وأطلق جملة حاول بها استدرار شفقتي
طب افتحي نتكلم إنتي عايزة تبوظي البيت
اقتربت من الباب وقلت له بوضوح
البيت إنت اللي بوظته من زمان
أنا بس صحيت
ساد صمت طويل ثم سمعت خطواته تبتعد
كنت أعرف أنها ليست النهاية لكنه كان أول سقوط له
في اليوم التالي استدعتني الشرطة لاستكمال
لكن الهواتف تحفظ كل شيء
ورسائلها كانت واضحة
طلبات أوامر استغلال لا ينتهي
وحين واجهوها بالأدلة أسقطت رأسها في صمت
بعد دقائق دخل زوجي القاعة كان شكله مختلفا وجه شاحب عينان حمراوان ملابس غير مرتبة كأنه لم ينم الليل كله اقترب مني ونبرة صوته كانت خليطا من الرجاء والغضب
تعالي نحل الموضوع مش للغربة ماما تعبانة إنتي كده هتكسريها
لم يلمس كلامه شيئا داخلي
لم يذب الغضب ولم يعود الحنين فقط شعرت بسلام غريب سلام يأتي حين تغلق أبواب الخوف
قلت له وأنا أحدق فيه بثبات
إنتو اللي جبتوا نفسكم لده
أنا ماعملتش أكتر من إني أخدت حقي
حاول أن يمسك يدي سحب أصابعه المرتعشة نحوي فرفعت يدي بعيدا
قال برجاء طفل فقد لعبته
طب ارجعي معايا وأنا هاشتغل والله هاشتغل بس خلينا نعدي الأزمة دي
ابتسمت
إنت مش زعلان على أمك
إنت زعلان إن مصدر فلوسك ضاع
تجمد وجهه كأن كلمتي صفعة على كبريائه
لم يجد شيئا يقوله
غادرت القسم خطوة وراء خطوة وفي صدري خفة لم أعرفها منذ زمن شعرت كأن أحدا رفع عن ظهري صخرة ظلت جاثمة فوق أنفاسي لثلاث سنوات
مرت الأيام التالية ببطء جميل
صدر الحكم غرامة مالية كبيرة وسابقة جنائية تسجل على والدته
كان ذلك كافيا ليفهم كل منهما أن حياتي لم تعد مائدة مفتوحة لهم
أما زوجي فقد أرسل رسائل متتالية
سامحيني
هنبدأ من جديد
مستعد أشتغل أي حاجة
إنتي مش فاهمة إني بحبك
لكنني لم أرد
لم أستطع
ولم أعد أريد
ومع مرور الوقت تلاشى وجوده من حياتي لم يعد له صدى في البيت ولا ظله يثقل الجدران كأن روحي تعلمت فجأة كيف تتنفس وحدها
بدأت أستعيد نفسي
نومي الذي سرقه القلق
هدوئي الذي مزقته الصرخات
كرامتي التي كدت أفقدها في زحام التنازلات
صرت أستيقظ كل صباح لأجل نفسي أعمل وأتطور وأرتب حياتي كما أشتهي عدت لهواياتي
كنت أرى صورتي في المرآة فأبتسم
لم أعد تلك المرأة التي تبكي خشية الوحدة أو التي تنحني لحماية علاقة مكسورة
كنت امرأة مختلفة أقوى أنقى وأقرب إلى ذاتها من أي وقت مضى
وفي مساء هادئ كنت أجلس في مقهى صغير مطل على شارع يعج بالحياة كنت أكتب بعض الملاحظات في دفتر صغير حين رن هاتفي
رسالة منه
آخر محاولة آخر خيط
فتحتها
عندك حق أنا اللي ضيعت كل حاجة
قرأت الجملة مرة واحدة فلم أشعر بشيء لا ألم لا غضب لا حنين
كأن القلب شفى نفسه دون أن يخبرني
أغلقت الرسالة ثم حذفتها
وفي اللحظة نفسها شعرت بأنني لا أحذف رسالة بل أحذف بابا قديما ظل مفتوحا لسنوات يدخل منه التعب والخوف والخذلان
وأخيرا أغلقته بيدي
رفعت رأسي نحو السماء الصافية
تنفست بعمق
سمعت ضحكة طفل في الخلفية وشعرت بأن العالم يتحرك لأول مرة دون
أن أشعر بأنني واقفة في الظل
ابتسمت
كانت ابتسامة انتصار هادئ
انتصار امرأة نهضت حين اعتقد الجميع
امرأة بدأت أخيرا
تبدأ نفسها
تمت